الصفحة 64 من 89

ونحن نرى ملمحًا منه في مجتمعنا المعاصر فنجد أن الشاب لا يقنع إلا بعمل وجيه، فإنه لا يعمل بما يكفي مؤونته، وإنما يريد الثراء عاجلًا، فيموت منتظرًا، أو ينحرف مريضًا.

ومن عوامل البطالة الأخرى، طلب العلم للعلم، فإن شباب المجتمع الإسلامي يحرص على طلب العلم، وقد اعترف المستشرقون بذلك، فقالوا بما معناه أن عدد العلماء بعدد أعمدة المساجد، ونقول وأعمدة المدارس أيضًا، وقد صمد العلم رغم العواصف الحربية الداخلية الأشد فتكًا، والخارجية الأشد مرارة من الصليبيين والمغول. وهذه الظاهرة الإسلامية لم توظف التوظيف الفاعل للمجتمع؛ فإن طلب العلم لم تكن غايته العمل، ولم يصحبه العمل من المرحلة الأولى حتى نهاية العمر، ولم يطبق العلم بالعمل، بل كرر مقولة على غير ما أرادها صاحبها، وهي: لو فكرت في بصلة ما حللت مسألة، وانعزل طلبة العلم عن واقع الحياة، ومشاركة البناء والعمران، وأصبحوا عالة على غيرهم يستمطرون السلطة والأوقاف، وانشغلوا بالجدل العقيم بين المذاهب وتطور علم الكلام سريعًا لأنه لا يقوم على عمل، أما تنفيذ النظريات العلمية في المدارس، وما ينجم عن الترجمة فلم يبرز منه شيء وإنما برزت الفلسفة لأنها لم تعتمد على عمل. وزاد الطين بلة ظهور الحركة الصوفية في العالم الإسلامي التي باركها الحكام لعزل شرائح المجتمع. فأين طلاب العلم عن الجهاد ضد الصليبيين، وضد المغول؟

إنما يقتلون في المساجد، فلو علِّموا ووظِّفوا لبناء الحصون لقاموا بالمهمة في أشهر معدودة، وقد ظهرت في هذه المرحلة نظرية خاطئة، وهي أن الجهاد بالقلم يغني عن الجهاد بالسيف. وكان الصوفية تدفع لبطالتهم الأموال من السلاطين، وتجري عليهم الصدقات، وهم لا عمل لهم، فإذا انشغل الحاكم عنهم بالحرب، ولم يملك ما يدفعه لهم فإنهم أثاروا الشغب في المدن، والمحاربون يحاربون.

إن طلب العلم يجب أن يكون مقرونًا بالعمل، وغايته العمل، ولنا في رسول الله - عليه الصلاة والسلام - وصحابته - رضوان الله عليهم - القدوة الحسنة، فهم دخلوا الإسلام وقد تجاوزوا مرحلة الشباب، ومع ذلك طلبوا العلم، ورغم غزارته، فإنه لم يشغلهم عن العمل، وكذلك العلم والعمل لم يشغلاهم عن الجهاد، ولا عن تعلم الفروسية، فأصبح المسلم يؤدي الوظائف المتعددة، وهم طلبوا العلم للعمل، فلم يتجاوزوا الآية التي يعملون بمضمونها، واستمر فصل العلم عن العمل يصحب مجتمعات العالم الإسلامي إلى اليوم، فالنظام التعليمي الجديد يحتم على الشاب أن يواصل تعليمه من السادسة حتى الرابعة والعشرين، وهو عالة على أهله وأسرته، حتى خدمته المنزلية يراها واجبة على أسرته، بينما يجب أن يخدمهم، ولم يقترن التعليم في عالمنا الإسلامي بالعمل، ولذلك فإن العمالة الإسلامية أضعف من العمالة الأجنبية الكافرة من الغرب والشرق معًا، مع أن ديننا الحنيف كفانا مؤونة النظريات، وأوجب علينا العمل والإخلاص وحمل الأمانة، بل هي جزء من العبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت