إذن فالمجتمع الإسلامي أحوج ما يكون إلى بناء فكري يقترن فيه العلم بالعمل، ونتيجة لانفصام العمل عن العلم ظهرت ظاهرة فقدان السلوك الإداري في العمل، فالعمل في العالم الإسلامي لم يرتبط في أكثره بسلوك مستمد من التوجيه الرباني، وقد أشار إليه علماء الفكر السياسي من علماء المسلمين في القديم كما يتضح عند ابن الأزرق في كتابه (بدائع السلوك في طبائع الملوك) ، وليس حصره في الشريحة الحاكمة، إنما تحدثوا فيه عن السلوك في سائر جوانب العمل. إذن فهم جعلوا السلوك من ألوان علم الإدارة، واستمدوا تنظيره من الكتاب والسنة. وكانت هناك صرخات منفردة من العلماء تنادي بضرورة العمل لطلبة العلم، ومن أشهر هؤلاء أبو شامة المقدسي صاحب كتاب الروضتين في أخبار الدولتين الذي يخاطب طالب العلم:
اتخذ حرفة تعش بها يا طالب العلم مذ ذُكّرَا
لا تهن بالاتكال على الوقـ ... ف فيمضي الزمان ذلا وعسرا
وهناك شريحة من رجال العلم مارسوا المهن، ومنهم ابن سيرين وعبد الله بن المبارك الزاهد المشهور الذي مارس التجارة، وكذلك أبو حنيفة، وثلة من العلماء دخلوا ميادين الجهاد، ومنهم ابن تيمية، ولم يمنعهم عملهم عن طلب العلم.
لم يكن ذلك مانعًا طالب العلم من العلم فاقفوا ذاك الأثر.
وقد تعرض الشاعر كثيرًا لمواقف الذل والصغار للذين لا يعملون من طلاب العلم.