ونفي صدق الدليل الشرعي: أقصد منه خطأ من يثبت تيسر رؤية الجن، كرؤية المرئيات العادية، فإن"الجن"بلا شك من عالم الغيب الذي نؤمن به، على ما صح وثبت عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا نزيد بعقلنا ولا بعقل غيرنا. فحديث الشيطان الذي كان يسرق من تمر الصدقة نؤمن به أصدق الإيمان، ونعتقد أنه ليس عامًا بالنسبة إلى كل الناس، وفي جميع الأوقات. فهو كحادثة الجريدة التي شقها الرسول صلى الله عليه وسلم نصفين، ووضع كل واحد من شقيها على قبر من القبرين اللذين كان يُعذب أصحابهما وقال"إن الله يخفف عنهما ما لم ييبسا"أو كما قال. فهي حادثة خاصة، لا تعطي حكمًا عامًا أبدًا. وقد روى البيهقي في مناقب الشافعي رحمه الله عن الربيع بن سليمان أنه سمع الشافعي يقول"من زعم أنه يرى الجن رددنا شهادته، إلا أن يكون نبيًا"وراجع تفسير المنار لقول الله تعالى {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} .
ومن قديم عودني ربي سبحانه، وله الحمد، على أن أمضي في طريقي ذاهبًا إلى ربي ليهديني، ويثبتني. لا أعبأ بما يحاول المعوقون أن يلقوا في طريقي من غبار، أو أشواك، وأن يوهنوا من دعوتي بأنها شذوذ، وتشديد في أمور سهلة، هي التوسل بالأولياء، وترك لما هو أهم، وغير ذلك. فما كان - ولا يزال - يقعقع به المعوقون. فاليوم - وقد قطعت مع شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وإخوانهما من السلفيين القدامى، رضي الله عنهم، نصف قرن - لا يهمني مطلقًا أن يقعقع حولي بهذه الشنآن. فليرح نفسه من يحاول ذلك، ويذهب متتبعًا سقطات، فأين كان يوم نقدت ابن تيمية في رسالة العبودية، وكتاب اقتضاء الصراط المستقيم، وغيرها مما علقت عليه. وأعوذ بالله، وأعيذ إخواني بالله، أن أكون أو يكونوا من الذين يصدرون عن هوى أو شبهة، أو مقاصد لا تتفق وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ربنا لا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.
غفر الله لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. ورضي الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ما أحببته بقدر ما نفعني الله بعلمه وفقهه. فكان حبه سببًا في شديد أذى صبرت عليه، بفضل الله وتوفيقه. حتى كانت العاقبة الحسنى. وجمعنا الله وإياه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وحسن أولئك رفيقًا.
محمد حامد الفقي