الصفحة 71 من 98

بعدهم إلى الآن؛ اخترعوا هذه القراءات تمثيلًا لما يحتمل الرسم من القراءة، ونسبوها إلى كتابهم وإلى رسولهم، وأنهم كذبوا جميعًا في ادعاء نسبتها على رسول الله، وفي ادعاء أنهم تلقوها جيلًا بعد جيل وطبقة بعد طبقة.

وقد يعذَر المستشرقون إذا ذهبوا هذا المذهب، لأنهم قوم جهلوا طرق الرواية عند المسلمين، ومن عرف منهم شيئًا منها فإنما يغلبه هواه، ويغلبه ما يراه بين يديه في كتبهم السابقة؛ وما لحق بها من عبث، وما أصابها من تحريف وتغيير، ويغلبه ما يعرف من فقدها أي نوع من الإسناد؛ وأي نوع من الرجال كان يرويها وينقلها، وما يعرف من انقطاع تواترها بل انقطاع أصل روايتها انقطاعًا تامًا قبل بلوغها مصدرها الأول بقرون. يعرف كل هذا؛ ويجهل أو يتجاهل سير علماء الإسلام وما كانوا عليه من ثقة وصدق، وما كانوا يتحرون من دقة وأمانة في رواية الحرف الواحد من أحرف القرآن، وفي طرق أداء كل حرف والنطق به، على اختلاف اللهجات والروايات، حتى أنهم وزنوا نطق الحروف بموازين معروفة في كتب القراءة وكتب التجويد، وحتى أنهم ليقيسون التنفس في أحرف اللين وأحرف المد بما اصطلحوا على تسميته بالحركات؛ إلى غير ذلك من طرق الاحتياط والتوثق.

فلم يكن عجبًا من المستشرقين وقد جهلوا ذلك كله وغلبهم ما وصفنا، أن يختاروا هذا الوجه؛ وأن يجزموا بأن هذه القراءات نشأت عن الرسم العربي المهمل من النقط والشكل.

وأما المسلمون فقد أيقنوا بالوجه الآخر الصحيح؛ أن القراءات هي الأصل، وأن الرسم تابع لها مبني عليها. أعني أنهم عرفوا مما جاءهم من الحق بالتواتر القطعي الثبوت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن على أصحابه وأقرأهم إياه بقراءات متعددة النطق والأداء، كلها حق منزل عليه من عند الله، وكلها موافق للغة العرب ولهجات القبائل، حفظًا له وتيسيرًا عليهم، وإنهم سمعوا منه وقرأوا عليه شفاهًا وحفظًا في الصدور، ثم أثبتوا ذلك عن أمره كتابة وتقييدًا، وأنه قال لهم"إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر"فأدوا ما سمعوا كما سمعوا وكما قرأوا، مفصلًا موجهًا بأوجهه في الأداء التلاوة، لم يزيدوا ولم ينقصوا، وأنهم كتبوا ما سمعوا وما حفظوا على هذا الرسم الذي رسموا، ليكون مؤديًا كل الأوجه التي عرفوا؛ والتي أذن لهم في القراءة بها؛ حتى إنه لو كان للرسم العربي عندهم إذ ذاك وجه آخر يضبط به النطق على حال واحدة لأبوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت