فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 56

ذ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) } [1] فالمؤمن أخو المؤمن في الدين و الولاية [2] ، و قد أوجب الحق تبارك و تعالى على المؤمن أن يسعى في الصلح بين المسلمين المتخاصمين، فهو إن سعي في الصلح بينهما بجد و اجتهاد كان صادق الإيمان حقًا. أما المنافق فهو الذي يسعد حين يرى المؤمنين في خصام و تناحر و تطاحن و تناطح، فهو يشعر بمنتهى النشوة إذا دبت الفرقة فيهم، و مزقت الخلافات أوصالهم.

و حينما قدم رسول الله المدينة المنورة، وجد أن الأوس و الخزرج، و هما قبيلتان من قبائل يثرب بينهما ألد الخصام، فصالح بينهما، ثم أن يهوديا من أهل المدينة أراد يوما أن يوقع الفتنة بينهما مرة أخرى، فلما هبت نار الفتنة أن تتأجج بينهما، فقد خرج إليهم رسول الله يردهم إلى صوابهم كما وَرَدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ شَأسُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَسَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ , عَظِيمَ الْكُفْرِ، شَدِيدَ الضِّغْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، شَدِيدَ الْحَسَدِ لَهُمْ، عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي مَجْلِسٍ قَدْ جَمَعَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ، فَغَاظَهُ مَا رَأَى مِنْ جَمَاعَتِهِمْ وَأُلْفَتِهِمْ، وَصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ عَلَى الإِسْلامِ، بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ الْبِلادِ، لا وَاللَّهِ مَا لَنَا مَعَهُمْ إِذَا اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارِ، فَأَمَرَ فَتًى شَابًّا مِنَ يَهُودَ وَكَانَ مَعَهُ، فَقَالَ: اعْمِدْ إِلَيْهِمْ، فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، وَذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثٍ وَمَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنْشِدْهُمْ بَعْضَ مَا كَانُوا تَقَاوَلُوا فِيهِ مِنَ الأَشْعَارِ، وَكَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَكَانَ الظَّفَرُ فِيهِ لِلأَوْسِ عَلَى الْخَزْرَجِ، فَفَعَلَ، فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَتَنَازَعُوا وَتَفَاخَرُوا حَتَّى تَوَاثَبَ رَجُلانِ مِنَ الْحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكَبِ، أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ مِنَ الأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إِنْ شِئْتُمْ وَاللَّهِ رَدَدْنَاهَا الآنَ جَذَعَةً، وَغَضِبَ الْفَرِيقَانِ، وَقَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا , السِّلاحَ السِّلاحَ، مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ - وَالظَّاهِرَةُ: الْحَرَّةُ - فَخَرَجُوا إِلَيْهَا , وَتَحَاوَزَ النَّاسُ، فَانْضَمَّتِ الأَوْسُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَالْخَزْرَجُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، عَلَى دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ

(1) سورة الحجرات

(2) تفسير البغوي / للحسين بن مسعود البغوي / سورة الحجرات / تفسير قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت