الإيمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و بالقدر خيره و شره، كما أنه مصدر الشريعة الإسلامية، و هو الذي يحدد لنا المنكرات و ينهانا عنها، و يبين لنا المعروف و يأمرنا به.
و معنى قوله تبارك و تعالى {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} أي جعل يوصي بعضهم بعضا بضرورة طاعة الخالق عز و جل في كل ما أمر به، و من ذلك الالتزام بأوامره، و الزود عن نواهيه، و محرماته.
كما أن من الأعمال الصالحات أن يحرص المؤمن على الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، يقول الحق تبارك و تعالى {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) } [1]
و لقد بين لنا سيدنا رسول الله كيفية تغيير المنكر، كما ورد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:"مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِيَدِهِ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِلِسَانِهِ فَبِقَلْبِهِ، وَذَاكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ" [2]
و لا يحل لمسلم أن يرى المنكر يُفْعَلُ أمام عينيه دون أن يسعى لتغيره بالطرق التي علمنا إياها سيدنا رسول الله، فقد وَرَدَ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنِ أقْلِبْ مَدِينَةَ كَذَا وَكَذَا بِأَهْلِهَا، قَالَ: فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ فِيهِمْ عَبْدَكَ فُلانًا لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، قَالَ: فَقَالَ: اقْلِبْهَا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ فِيَّ سَاعَةً قَطُّ" [3] .
و قد جعل رسول الله يحذر صحابته من مغبة غض البصر عن المنكر دون محاولة تغييره، كما وَرَدَ عَنْ أَبي عُبَيْدَةَ , أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ أَوَّلَ مَا وَقَعَ النَّقْصُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَرَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ فَيَنْهَاهُ، ثُمَّ لا يَمْنَعُهُ مِنْهُ مِنَ الْغَدِ أَنْ يَكُونَ خَلِيطَهُ وَشَرِيبَهُ، فَضَرَبَ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَأَنْزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنَ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) } ،"
(1) سورة التوبة
(2) صحيح مسلم (كِتَاب الإِيمَانِ (بَاب بَيَانِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنَ - حديث رقم 73
(3) شعب الإيمان للبيهقي (أَحَادِيثُ فِي وُجُوبِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ - حديث رقم 7081