الصفحة 80 من 92

في هذه المقدمة تلخيص لوظائف الوالي التي كلفه بها أميره، فهي تحدد وظائف الدولة عنده رضي الله عنه، وقد جمعها في الأربعة المذكورة، والتي منها عمارة البلاد.

ب - هدف العمارة: هدف العمارة عند علي رضي الله عنه إقامة مجتمع المتقين ذلك المجتمع الذي يتمتع بأعلى مستوى من طيب الماديات والتزام تقوى الله تعالى .. وقد حدد رضي الله عنه هذا الهدف في كتابه لمحمد بن أبي بكر رضي الله عنهما والي مصر، حيث يقول في هذا الكتاب: (يا عباد الله، إن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا آخرتهم، أباح لهم الله الدنيا ما كفاهم به وأغناهم. قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [1] ، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أُكلت، وشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا من طيبات ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسكنوا من أفضل ما يسكنون، وركبوا من أفضل ما يركبون، أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا، وهم غدًا جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة، فإلى هذا يا عباد الله يشتاق من كان له عقل، ويعمل له بتقوى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله) [2] .

هذا الكتاب التاريخي ليس قصة يتحدث فيها الإمام علي رضي الله عنه عن واقع المتقين على وجه الأرض، أو واقعهم في التاريخ، وإنما كان يستهدف التعبير عن نظرية المتقين في الحياة، والمثل الذي يجب أن يحققه مجتمع المتقين على هذه الأرض، ولذا أمر بتطبيق ما في الكتاب، ورسم الوالي سياسته على ضوء ما جاء فيه من وصايا وتعليمات.

جـ - مضمون ومفهوم العمارة: يرى الإمام علي رضي الله عنه أن العمارة لا يكفي لتحقيقها رفع مستوى الإنتاج إلى أقصى حد فقط، أي أنها ليست مجرد زيادة الدخل الوطني أو زيادة دخل الفرد في المتوسط، وإنما تتطلب إلى جانب ذلك مستوى الاستهلاك المرتفع لجميع أفراد المجتمع، سواء منهم من لديه القدرة على تحقيق ذلك لنفسه أم من يعجز عن ذلك، إذ على الدولة أن تقوم بتحقيق هذا المستوى للصنف الثاني من الناس. كما أن مضمون العمارة ومفهومها عند الإمام عليّ رضي الله عنه لا تقتصر على زيادة الإنتاج أو رفع مستوى الدخل القومي، وإنما تقوم على عدالة توزيع الدخل المنتج، فالتوزيع العادل لثمار التنمية جزء من مفهومها في فكر الإمام علي رضي الله عنه.

يقول الإمام علي رضي الله عنه: (ما جاع فقير إلا بما متع غني) [3] .

مما سبق يتضح أن العمارة والتنمية التي يجب على الدولة القيام بها تهدف إلى تحقيق مستوى الحياة الكريمة لمجتمع المتقين، وهذا المستوى يتضمن لتحققه تحقق العدالة الاجتماعية، كما أن التوزيع العادل جزء جوهري من مفهوم

(1) سورة الأعراف: الآية 32.

(2) الشريف الرضي، مرجع سابق، (ص 543) .

(3) الشريف الرضي، نفس المرجع، (ص 734) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت