والذي لا يَعرفهم: يَحسبهم {أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} أي بسبب تعففهم عن السؤال، {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} : أي تعرفهم بعلامات الاحتياج فيهم (كاصفرار وجوههم وثيابهم البالية) ، ومع ذلك فهم {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} : أي لا يسألون الناس بالكُليَّة، وإن سألوا اضطرارًا: لم يُلِحُّوا في السؤال.
{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} وسيَجزِي سبحانه عليه أوفر الجزاء يوم القيامة، فقد أخبر تعالى أنه يُضاعف ثواب الصدقة إلى سبعمائة ضعف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الصدقة لَتُطْفِئُ عن أهلها حَرَّ القبور، وإنما يَسْتَظل المؤمن يوم القيامة في ظِلِّ صَدَقَتِه) (انظر السلسلة الصحيحة ج: 7) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (والصدقة تُطفِئُ الخَطيئة كما يُطفِئُ الماءُ النار) (والحديث في صحيح الجامع برقم: 5136) .
الآية 274: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} {سِرًّا} أي في الخَفاء {وَعَلَانِيَةً} أي جَهرًا أمام الناس لِيُشَجِّعوهم على الصَدقة {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} أي لهم ثوابٌ عظيم {عِنْدَ رَبِّهِمْ} {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (فذلك التشريع الإلهي الحكيم هو مِنهاج الإسلام في الإنفاق، فقد جَعَله اللهُ تعالى سَدًّا لحاجة الفقراء في كرامةٍ وعِزَّة، دونَ أن يضطروا إلى السؤال، وكذلك جَعَله تطهيرًا لذنوب الأغنياء وتَزكيةً لنفوسهم وأخلاقهم) .
الآية 275: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} : أي الذين يتعاملون بالربا - وهو الزيادة على أصل الدَّيْن - يعني يأخذون من الناس مالًا زائدًا عن قيمة الدَّيْن الذي أعطوه لهم، والقاعدة الشرعية تقول: (كل قرضٍ جَرَّ نفعًا، فهو ربا) ؛ يعني أيّ قرْض كان مِن ورائِهِ زيادة المال المُقترَض، أو تَسبَّبَ في حصول مَنفعة عادت على صاحب الدَّيْن، فهذا القرض يكونُ ربًا، وذلك كأن يَقترض شخصٌ ألفَ دِرهم مِن شخص آخر، فيقول له صاحب المال: (تَرُدُّهم إليَّ ألفًا ومائتي درهم) (أو تردهم ألفًا فقط، بشرط أن تفعل لي الخِدمة الفلانية) أو غير ذلك.
? فهؤلاء {لَا يَقُومُونَ} في الآخرة مِن قبورهم {إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ} أي يَضربه ويَصرعه {الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} أي من الجنون، فيقومون من قبورهم حَيارَى سُكارَى مُضطربين، مُتوقعين لِسوء العاقبة وعظيم العذاب، و {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} أي بسبب أنهم {قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} ؛ لأنَّ كِلَيْهما - بزعمهم - يؤدي إلى زيادة المال، وهذا القول لا يَصدر إلا مِن جاهلٍ عظيمِ العِناد، فكما تقلبتْ عقولهم وقالوا ذلك، جازاهم اللهُ مِن جِنس أحوالهم، فصاروا يَخرجون من قبورهم كالمجانين.
? ثم رَدَّ اللهُ عليهم بقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ؛ وذلك لِما في البيع والشراء مِن نفعٍ للأفراد والجماعات، ولِما في الربا من استغلال وضياع وهلاك، {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} بالنَّهْي عن الربا {فَانْتَهَى}