الصفحة 77 من 90

18.تفسير الربع الثامن عشر من سورة البقرة[[1]

الآية 261: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي في الجهاد، وجميع أنواع الخير: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} بُذِرَت في أرضٍ طيبة، فـ {أَنْبَتَتْ} هذه الحبة: {سَبْعَ سَنَابِلَ} {فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ} منها {مِائَةُ حَبَّةٍ} ، فبهذا تكون الحبة الواحدة قد أثمرت سبعمائة حبة، وهكذا الدرهم الواحد ينفقُه المؤمنُ في سبيل الله: يُضاعَف له إلى سبعمائة ضعف، وقد يضاعفُه اللهُ إلى أكثر من هذا؛ لقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} ، وذلك بحسب ما يكون في قلب المُنفِق من الإيمان والإخلاص التام، وبحسب نَفْعِ نفقته، ووقوعها موقعَها، {وَاللَّهُ وَاسِعٌ} في فضله وعطائه، {عَلِيمٌ} بمن يَستحق هذه المُضاعَفة؛ لأنه سبحانه - وحده - المُطَّلع على نيَّات عباده، يَعلم المخلص من غيره؛ إذ إنه سبحانه لا يَقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، قال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) ؛ بمعنى: أن الأعمال تُقبَل بحسب النيات، فما كانَ للهِ تعالى: فإنه يقبله، وما كان لغيره: فإنه يردُّه على صاحبه.

? هذا، وقد عرَّف العلماءُ الإخلاصَ بتعريفاتٍ كثيرة، ولكنْ مِن أنفع هذه التعريفات للعبد أن الإخلاص هو: (تَغميضُ القلب عن كل ما سِوَى الرَبّ) ؛ بمعنى أن يَتناسَى العبدُ نظرَ الخلق إليه، ويُهَوِّن ثنائهم عنده، فيَعلم أنهم لو مدحوه: ما رفعوه، ولو ذمُّوه: ما خفضوه، إنما الذي يَرفع ويَخفض هو اللهُ عز وجل، فيَعظُمُ بذلك ثناءُ الله عندَه، وينشغل بنظره سبحانه إليه، وبسماعه له، فبهذا لا يَرجو إلا رحمته، ولا يَخشى إلا عذابه؛ ولذلك ينبغي - قبل أن يعمل العبد العمل - أن يسأل نفسه سؤالًا واحدًا: (ماذا أريد من وراء هذا العمل؟) ، والجواب في كلماتٍ ثلاث: (أريد حسنات فقط) ، (فلا أريد من البشر شيئًا؛ إنما أعمل - فقط - من أجل الجنة ونعيمها) .

? واعلم أنّ هناك أمورًا دقيقة جدًّا في مسألة الإخلاص والرياء، تجعل العبد لا يَحكم على نفسه بالإخلاص أبدًا، ولا يُحسِنُ الظن بنفسه ولا بعمله، بل يعمل وهو خائفٌ ألاَّ يكون مخلصًا، فيأتي يوم القيامة فيجدُ عملَه هباء منثورًا،

(1) [*] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب:"التفسير المُيَسَّر"(بإشراف التركي) ، وأيضًا من"تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب:"أيسر التفاسير"لأبو بكر الجزائري) (بتصرف) ، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو تفسير الآية الكريمة.

-واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحديًا لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية) ، وإننا أحيانًا نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً) ، حتى نفهم لغة القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت