فعلى سبيل المثال: (رجلٌ عَلِمَ أن أخاه مريض، فذهب لزيارته، ولكنْ لماذا زاره؟ لأنّ صديقه سوف يُعاتبه إن لم يَزُره، فزاره مِن أجل رفع العتاب عن نفسه، ولم يَزُره لله) ، فهل هذا يتساوى مع من زارَهُ لأنه يحبُّه في الله، ولكي يدعو له، ويَرقيه بالرُقية الشرعية، ويواسيه بالكلام الطيب ليخفف عنه، وليشتري له طعامًا أو فاكهة ينوي بها (إطعام الطعام، وإدخال السرور على قلب مسلم) ؟
? وهناك مثال آخر: (شخصٌ أُهْدِيَ إليه بصندوق كبير من الفاكهة، فقال:(إن الصندوق كبير جدًّا، ماذا سأفعل بهذا كله؟ سآخذ من الصندوق ما يَكفيني، وأتصدَّق بالباقي) ، وبالفعل، تصدَّق بجزء من الصندوق، ثم لمَّا جلس يأكل: وجد أن الفاكهة حلوة جدًّا، فقال في نفسه: (لو كنت أعرف أنها حلوة هكذا، ما كنت تصدَّقْتُ بهذا كله!) ، فهل هذا يتساوى مع من فرح أنه تصدَّق بهذه الفاكهة الحلوة؛ لعلَّها تنالُ عند اللهِ القبول، ولأنّ مَن أخذها سوف يَفرح بها كما فرح هو بها؟).
? فكل هذه أعمال قلب يَغفل الكثير عنها، ولعل هذا هو المقصود من قول بعض السلف: (رُبَّ عمل صغير تُعظِّمُه النية، ورُبَّ عمل كبير تصغِّره النية) .
? ولكنْ قد يقول قائل: (إنني أجتهد في أن أُخْلِص العمل لله، ولكنْ يأتي الشيطان فيقول لي:(أنت لستَ مُخلِصًا، أنت تكذب على نفسك، وتفعل ذلك من أجل الناس) ، فيُحبطني بذلك عن إكمال العمل، فماذا أفعل؟)، والجواب: أن تستعيذ باللهِ منه، ثم تقول له - على سبيل دفع مجادلته ووسوسته: (نعم أنا مُرَاءٍ، أسألُ اللهَ أن يتوب عليَّ، ليس لك شأن) ، ثم تُخلص العمل لله جل وعلا، بأنك لا تريد من ورائه إلا الحسنات.
? وقد يقول قائل: (حينما يسألُني سائل، فإنني - عندما أُخرج الصدقة لأعطيها له - أجد مَن يوسوس لي بأنني فعلتُ ذلك من أجل أنني استحييتُ من السائل، وليسَ لله، أو أنّ ذلك السائل قد لا يَستحق الصدقة؟) ، والجواب: أن تجدِّد النية - وقتها - بأنك تقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أنه كان لا يَرُدُّ سائلًا، ثم تتحرى - قدر المستطاع - أن تعطي الصدقة لمن يَستحقُّها، وسوف يَقبلُها الله تعالى بفضله ومشيئته، وعليك أن تسأل الله دائمًا أن يرزقك الإخلاص.
الآية 262: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا} أي تفضُّلًا على مَن أعطوه، {وَلَا أَذًى} بقولٍ أو فِعل يُشعِرُهُ بالتفضُّل عليه.