? والمَنُّ: هو ذِكر الصدقة وتعدادها على مَن تُصدِّق عليه (وذلك على سبيل التفضُّل عليه) ، وقد يَطلب منه فِعل خدمات مقابل هذا الإحسان، وكذلك قد يكون المَنُّ بالقلب، كأن يفعل له هذا الرجل - الذي تُصدِّق عليه - موقفًا يُغضبه، فيقول المتصدِّق في قلبه: (هل نَسِيَ كل ما فعلتُهُ معه؟ إنه لا يستحق ذلك) ، وأما الأذى: فهو التطاول على المتصدَّق عليه، وإذلاله بالكلمات التي تمسُّ كرامتَه، كأن يَشتري له حذاءً جديدًا، ثم يقول له أمام الناس: (لا تقلق، أتلِفِ الحذاءَ، وأنا أحضر لك غيره) ، واعلم: أنّ المَنَّ مِن كبائر الذنوب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم: (ثلاثة لا ينظرُ اللهُ إليهم يومَ القيامة، ولا يُزكيهم، ولهم عذابٌ أليم - وذكَرَ منهم: والمَنَّان الذي لا يُعطِي شيئًا إلا مَنَّهُ) .
? فهؤلاء الذين اجتنبوا المَنّ والأذى: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، وهذه هي السعادة الحقيقية؛ لأنّ حياتهم قد خلت من الخوف والحزن، وحَلَّ محلَّها الأمنُ والسرور.
الآية 263: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ} : أي كلامٌ طيب تقوله للسائل، مِثل: (الله يُوسع عليك، الله يرزقُك من فضله) ، {وَمَغْفِرَةٌ} : أي وعفوٌ عما صدر منه من إلحاح: {خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا} من المتصدِّق {أَذًى} وإساءة، {وَاللَّهُ غَنِي} عن صدقات العباد، {حَلِيمٌ} لا يعاجلهم بالعقوبة.
الآية 264: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا} : أي لا تُذهبوا ثوابَ {صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} ، فهذا حاله في إبطال صدقاته {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} : أي يُخرِجُ مالَه ليراه الناس، فيُثنوا عليه، أو ليَدفعَ عن نفسه لومَهم ومذمَّتَهم إذا لم يتصدق، {وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ؛ لأنه لا يريد بعمله وجه اللهِ ولا الدار الآخرة، {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} أي حجر أملس {عَلَيْهِ تُرَابٌ} {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} أي مطر غزير، {فَتَرَكَهُ صَلْدًا} : أي فأزاح المطرُ الترابَ عن الحجر، فتركه أملس عاريًا ليس عليه شيء، فكذلك تذهب صدقات هؤلاء المرائين، و {لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} : أي ولا يجدون عند الله شيئًا من الثواب على ما أنفقوه؛ وذلك لأنهم وضعوا النفقة في غير موضعها، وجعلوها لمخلوق مثلهم لا يَملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، وانصرفوا عن عبادة مَن تنفعهم عبادتُه، فصرف اللهُ قلوبهم عن الهداية؛ فلهذا قال: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} : أي لا يُوفِّقهم لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها، (وفي هذا تحذير شديد للمؤمنين أن يَسلكوا مسالك الكافرين في إنفاقهم وأعمالهم، فإنها باطلة مردودة عليهم) .