الصفحة 65 من 90

16.تفسير الربع السادس عشر من سورة البقرة[[1]

الآية 243: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} : يعني ألم تعلم قصة الذين فرُّوا من أرضهم ومنازلهم؟ {وَهُمْ أُلُوفٌ} كثيرة، {حَذَرَ الْمَوْتِ} ؛ أي خشْيَةَ الموت.

? وهنا وقع خِلاف بين المفسِّرين؛ (فمنهم من قال: إنهم فرُّوا من ديارهم خوفًًا من القتال؛ يعني إنّ عَدُوَّهم نزل بأرضهم، وقد كان الواجب عليهم أن يَثبتوا ويُدافعوا عن أرضهم، ولكنهم تركوا ديارهم للعدو، وَفَرُّوا جُبنًا من القتال وخوفًًا من الموت) ، (ومنهم مَن قال: إنهم فرُّوا خوفًًا من مرض الطاعون الذي نزل بأرضهم، ففَرُّوا - اعتقادًا منهم - أنّ المرض سوف يُميتُهم بذاته، وليس بقدَر اللهِ تعالى، فاعتقدوا أن السبب هو الذي ينفع ويضر، ولم يعتقدوا أنّ كل شيء بيد مُسَبِّب الأسباب - سبحانه وتعالى - الذي بيده مَلَكوتُ كل شيء) .

{فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} فماتوا دفعة واحدة؛"عقوبةً لهم على فرارهم"، {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} اللهُ تعالى بعد مدة، ليَستوفوا آجالهم - المكتوبة في اللوح المحفوظ - وليتَّعظوا ويتوبوا، ولِيُبَيِّن سبحانه لِخَلقه آياته بقدرته على إحياء الموتى {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} بنعمِه الكثيرة عليهم، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} فَضْلَ اللهِ عليهم، بل ربما استعانوا بنعم اللهِ على مَعاصيه، وقليلٌ منهم الشكور الذي يَعترف بالنعمة، ويَستخدمها في طاعة المُنعم.

? وبمناسبة ذِكر الفرار من المرض: فإنه قد يَسأل سائل ويقول: (كيف نجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري:(لا عَدوَى) ، وبين قوله في نفس الحديث: (وَفِرَّ من المجذوم - وهو الذي أصابه مرض الجُذام - كما تفرُّ من الأسد) ؟) وخلاصة أقوال العلماء في ذلك أنّ قوله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى) ؛ أي لا عدوى مؤثرة بذاتها - أي لا تنتقل بذاتها - إنما يَنقلها اللهُ سبحانه وتعالى إذا شاء، واعلم أنّ هذا يكون من باب الاعتقاد بأنّ اللهَ سبحانه هو الذي يُصيبنا، وأنه هو الذي يَصرف عنا السوء.

(1) [*] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب:"التفسير المُيَسَّر"(بإشراف التركي) ، وأيضًا من"تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب:"أيسر التفاسير"لأبو بكر الجزائري) (بتصرف) ، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو تفسير الآية الكريمة.

-واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحديًا لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية) ، وإننا أحيانًا نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً) ، حتى نفهم لغة القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت