الصفحة 66 من 90

? وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: (فرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد) ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون - كما في صحيح البخاري: (إذا سمعتم بهِ بأرضٍ: فلا تَقدُموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها: فلا تخرجوا فِرارًا منه) ، فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها اللهُ تعالى، وجعلها سببًا للهلاك أو الأذى، والعبد مأمورٌ باتقاء أسباب البلاء؛ مِثل اجتناب مقاربة المريض، أو القدوم على بلد الطاعون، أو غير ذلك، ولكنْ مع الاعتقاد الجازم أنّ السبب لا ينفع ولا يضر بذاته، وإنما كل شيء بيد الله سبحانه؛ قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} ، وقال تعالى: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} ، وكذلك نعتقد أننا لا نُصاب بمجرد مُخالطة المَرضَى، وإنما جعل اللهُ - سبحانه وتعالى - مخالطة المريض للصحيح سببًا لإعدائه، وقد يَشاءُ اللهُ أن يُخالِطَهُ ولا تحدث عدوى، فالأمرُ يَرجع في ذلك إلى قدَر اللهِ تعالى.

? ومن لطيف ما يُذكَر هنا"أنّ عمر بن الخطاب رضي اللهُ عنه - حينما كانَ أميرًا للمؤمنين - خرج إلى الشام، فلقِيَهُ أبو عُبَيدة بن الجَرّاح وأصحابه رضي اللهُ عنهم، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، فقرَّرَ"عمر"الرجوع إلى المدينة، فقال له أبو عبيدة:"فِرارًا من قدر الله"؟ فقال له عمر:"نعم؛ نفِرُّ مِن قدَر اللهِ إلى قدَر الله"، (وهذا يدل على أنّ الأخذ بالأسباب إنما هو جزء من القدر) ."

? فعلى سبيل المثال: إذا أصاب العبدُ مرضًا ما، فعليه أن يأخذ بالأسباب التي أمَرَهُ اللهُ تعالى بها، كالذهاب إلى الطبيب، وأخْذ الدواء، ولكنْ مع عدم تعلق قلبه بالطبيب ولا بالدواء، (لأنّ هناك مَن كانَ عنده نفس المرض، وأخَذَ نفس الدواء، ومع ذلك لم يَكتب اللهُ له الشفاء) ، وإنما عليه أن يُعلق قلبه باللهِ الشافي، الذي يُوفق الإنسان لأخْذ الدواء المناسب للمرض الذي عنده، فلذلك يَتناول الدواء وهو يقول: (بسم الله الشافي) ، حتى يُوصل اللهُ الدواء إلى مكان المرض، فيَبرأ بإذن الله، وهذه نقطة هامة جدًّا؛ لأنّ تعلق القلب بغير اللهِ تعالى هو مِن أعظم مُفسِدات القلب، وهو بداية الشرك.

الآية 244،245: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لأقوالكم {عَلِيمٌ} بنِيَّاتكم وأعمالكم، فأحسِنوا النيّة، واقصدوا بها وجه اللهِ تعالى، واعلموا أن القعود عن القتال لا يفيدكم شيئًا - ولو ظننتم أنّ في القعود حياتكم وبقاءكم - فليس الأمر كذلك، فإنكم لا تُمتَّعون بعد القعود عن القتال إلا قليلًا، ولهذا ذكَرَ اللهُ تعالى هذه القصة السابقة تمهيدًا لهذا الأمر، فكما لم يَنفعهم خروجهم من ديارهم - بل أتاهم ما كانوا يَحذرون (وهو الموت) - من غير أن يَحتسبوا، فاعلموا أنكم كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت