الصفحة 67 من 90

? ولمَّا كان القتال في سبيل الله لا يتم إلا بالنفقة وبذل الأموال في ذلك، أمَرَ تعالى بالإنفاق في سبيله ورَغَّبَ فيه، وسَمَّاه قرضًا، فقال: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} ؛ أي يُنفق إنفاقًا حسنًا (يعني من مال حلال، طالبًا للأجر) ، وذلك في جميع طرق الخير، وخصوصًا في الجهاد، {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} لا تُحصَى من الثواب وحُسن الجزاء، (فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، وذلك بحسب حال المُنفق مع الله، وبحسب نيّته، ونَفْع نفقته، والحاجة إليها) ، ولمَّا كان الإنسان رُبما توَهَّم أنه إذا أنفقَ افتقر: دَفَعَ اللهُ تعالى هذا الوهم بقولِه: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ} ؛ أي يُضيِّق على مَن يشاءُ مِن عباده في الرزق ابتلاءً لهم، {وَيَبْسُطُ} ؛ أي ويوسِّعه على آخرين امتحانًا لهم، فالتصرف كله بيديه سبحانه، وله الحكمة البالغة في تضييق الرزق وتوسعته؛ لأنه - سبحانه - الأعلم بما يُصلِح عباده من الفقر والغنى، فأنفِقوا ولا تُبَالوا فإنه هو الرزاق {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .

? واعلم أنّ اللهَ تعالى قد سَمَّى ذلك الإنفاق قرضًا؛ حثًًّا للنفوس على البَذل؛ لأنّ المُقرِض مَتَى عَلِمَ أنّ ماله كله سيعود إليه، مع مضاعفة حسناته، وتكفير سيئاته، سَهُلَ عليه إخراجه، ومَجيء لفظ الجلالة {اللَّهُ} في قوله: {يُقْرِضُ اللَّهَ} فيه غاية الطمأنة للمُنفِق؛ لأنه يَعلم أنّ قرْضَهُ سيُعطيه لِغنيٍ كريمٍ قادر.

الآية 246: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ} وهم الأشراف والرؤساء {مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ} زمان {مُوسَى} {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يعني اجعل علينا مَلِكًا نجتمع تحت قيادته، ونُقاتل أعداءنا في سبيل الله، {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} : يعني هل الأمر - كما أتوقعه - إن فَرَضَ اللهُ عليكم القتال في سبيله أنكم لا تقاتلون؟ فإني أتوقع جُبْنَكم وفراركم من القتال، {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ} يعني وأيُّ مانع يمنعنا عن القتال {فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} : أي وقد أخرَجَنا عدونا من ديارنا، وأبعَدَنا عن أولادنا بالقتل والأَسْر؟ {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوا} أي خافوا وفرُّوا من القتال {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} ثبَتوا بفضل اللهِ تعالى، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} الناكثين لعهودهم.

الآية 247: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ} : {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ} أي أرسَلَ إليكم {طَالُوتَ} ليكونَ {مَلِكًا} عليكم، ويَقُودكم لقتال عَدُوِّكم كما طلبتم، {قَالُوا} أي قال كُبَراء بني إسرائيل: {أَنَّى} يعني كيف {يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا} وهو لا يَستحق ذلك؟ لأنه ليس مِن أبناء الملوك، ولا مِن بيت النُبُوَّة، {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} لأننا من أبناء الملوك، ومِن بيت النُبُوَّة، {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} : أي وهو أيضًا لم يُعْط كَثرةً في الأموالِ يَستعينُ بها في مُلْكِه، فكيف يكونُ مَلِكًا علينا؟!، {قَالَ} لهم نَبِيُّهم: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} أي اختاره عليكم وهو سبحانه أعلم بأمور عباده، {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} : أي وقد زادَهُ سبحانه سَعَةً في العِلم وقوةً في الجسم لِيُجاهد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت