{وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 176] .
وحرف النزاع بين المعتزلة وأهل السنة: أن الإرادة عند أهل السنة تابعة للعلم، وعندهم تابعة للأمر [1] ، ويدل لأهل السنة قوله - تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ} [2] ؛"الفتح": 13/ 458.
(1) يظهر أن الحافظ - رحمه الله - هنا تبع في هذه المسألة بعض أهل العلم الذي يرون أن المشيئة والإرادة بمعنى واحد كالبيهقي في"الأسماء والصفات": 1/ 230، وابن بطال فيما نقله عنه في"فتح الباري": 13/ 458، ولذا نفى تعلقها بالأمر عند أهل السنة، وانظر:"منهج الحافظ ابن حجر في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري"؛ لمحمد كندو: 298، والصواب في المسألة التفصيل؛ فالإرادة إرادتان: الأولى: الإرادة الكونية القدرية، وهي بمعنى المشيئة العامة الشاملة لكل ما يقع في الكون، وهذه متعلِّقة بالعلم فكل ما علم الله وقوعه فقد أراده كونًا وقدرًا، وهذه الإرادة لا علاقة لها بالأمر الشرعي ومن أمثلتها هذه الآية.
والثانية: الإرادة الدينية الشرعية، وهي بمعنى المحبة والرضى وهي المتعلِّقة بالأمر الشرعي؛ إذ ليس كل ما أمر الله به ورضيه شرعًا وقع كونًا وقدرًا، ومن أمثلة هذه الإرادة قوله - عز وجل: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، انظر في عرض عقيدة أهل السنة والرد على المخالفين:"مجموع الفتاوى"؛ لابن تيمية: 6/ 115 - 116 و 8/ 188 - 190،"الاحتجاج بالقدر"؛ لابن تيمية: 68،"شفاء العليل"؛ لابن القيم: 138/ 1 - 142 و 2/ 288 - 289،"مدارج السالكين"؛ لابن القيم: 1/ 265 - 268،"شرح الطحاوية"؛ لابن أبي العز: 1/ 78 - 84،"القواعد المثلى"؛ لابن عثيمين: 39،"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين": 1/ 156 - 157،"القضاء والقدر"؛ للمحمود: 196 - 202،"موقف ابن تيمية من الأشاعرة"؛ للمحمود: 3/ 1315 - 1319،"المحاضرات السنية في شرح العقيدة الواسطية"؛ لابن عثيمين: 1/ 166 - 176،"المعتزلة"؛ للمعتق: 106،"صفات الله - عز وجل"؛ للسقاف: 47 - 49، وغيرها من كتب أهل السنة؛ وانظر في عرض عقيدة المخالفين:"المغني في أبواب التوحيد والعدل"؛ للقاضي عبدالجبار الهمذاني - تحقيق الأهواني: 6 القسم الثاني، ص: 51 - 56،"الإرشاد"؛ للجويني: 211،"الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به"؛ للباقلاني: 53 - 55 و 69.
(2) هذه الآية نص على أن الخير والشر بإرادته - سبحانه - لأنَّ الله - عز وجل - بين أن ما هم عليه من المسارعة في الكفر هو بإرادته - تعالى - وفي ذلك رد بين على المعتزلة القدرية الذين يقولون: إن المعاصي ليست مقدرة له ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه، تعالى الله عن أن يكون في ملكه ما ليس تحت مشيئته؛ انظر:"الكشف والبيان"؛ للثعلبي: 3/ 158 ب،"البسيط"؛ للواحدي - تحقيق الحمادي: 3/ 978،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 9/ 107،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 4/ 289،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 122،"فتح البيان"؛ لصديق خان: 2/ 382،"روح المعاني"؛ للآلوسي: 4/ 133، وغيرها.