كم طاف
بي
خيالٌ
تملَّكني، وشوَّقني إلى رؤية الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، فأنهض متلهِّفًا، وأنكب على كتب الشمائل والأخلاق المحمدية، أتلمس ذكره، وأمتِّع عيني بوصفه، حتى أسترسل مع الخيال فأتخيَّله، وأرجع البصر في الصحائف النبوية، وأتتبع ملامح الصورة فأتصوره، فألمح نورًا يفيض بين جنبات المكان، وكأن قطعة من الشمس هبطت إلى الأرض، غمر نورها النفس، فامتلأت بالصفاء والنقاء. وقد تأخذني سِنَة من
النوم، فأرى كأني بين ديار المدينة المنورة؛ بين ربوعها متفقدًا أصحابه، أو ألقاه بين فجاجها متعبدًا ربَّه، أو آنس طيفًا من ضيائه، فأسير في إثره حتى أصل إلى مستقره، وإن لم أنل هذا أو ذاك، أنطلق فأبحث عن أم معبد؛ لتقص لي أثره، وتذكر لي وصفه. وحين أصحو، ألمس في نفسي رغبة
ملحَّة في الكتابة عنه صلى الله عليه وسلم، ومع إلحاح هذه الرغبة لم أقدِّر لها أن تخرج إلى النور يومًا من أن صفحة الأقدار كانت تخفي لي ما منيته ولم يطلع عليه أحد سواي، فلبَّيْت تلك الرغبة، إلا أنها كانت مشوبة بالخوف والحذر؛ لأن المقام مقام هيبة وعظمة، ولا سيما حين تكون الكتابة عن وصف النبي صلى الله عليه وسلم. وحين أخذ القلم يسبح في بحر الشمائل المحمديَّة،
كان الخوف والحذر قد بلغا مبلغهما؛ لأني خشيت أن أغفل وصفًا من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، فأُتَّهم بالتقصير في حقه صلى الله عليه وسلم، أو أزيد في أوصافه ما ليس فيه، ولم يثبت في صحيح الأوصاف، فيكون ذلك زلة لا أدري المخرج منها، إلا أن يتداركني الله تعالى برحمته. وليس في إلا أن أقدِّم الله صلى الله
عليه وسلم، فأنى لمثلي أن يصف مثله! فما أنا بالوصَّاف الماهر، ولا النعَّات الحاذق، وإن مُكِّنت من هذا، فما عندي من فصاحة البيان، ولا بلاغة الأسلوب والتبيان ما أستطيع معه أن أوفي الرسول صلى الله عليه وسلم حقه. ثم أثنِّي اعتذاري باستئذاني منه أن أنال هذا الشرف الرفيع. وقد يتعجب البعض ويتساءل: أنى لك أن تنال هذا الشرف، وتحظى بتلك المكانة، وأنت لم تر الرسول صلى
الله عليه وسلم في يقظة ولا منام! فقد باعد القدر المحتوم بين زمانك وزمانه، وحَرَمَتْك الذنوب من رؤيته في المنام، فأنى لك أن تصفه؟! إن أولى الناس بوصفه مَن عاشوا معه، ورآهم ورأوه، وتحدث إليهم وتحدثوا إليه، ثم مَنْ مَنَّ الله سبحانه وتعالى عليهم برؤيته في منامهم، وأنت لست من هؤلاء ولا أولئك. قلت: إن الصحابة الكرام رضي الله عنهم حقًّا هم أولى الناس بوصفه؛ لأنهم كما نقلوا إلينا أحاديثه، وأهدوا
إلينا سنته، نقل إلينا بعضهم وصفه ونعته، وتحدثوا عن خلائقه وشمائله، فمهمتي هنا كما نقلوها، وأقيِّدها كما