الصفحة 124 من 128

أعلى درجات التكريم والتشريف، وهي صفة العبودية، فقال تعالى:"سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله" [الإسراء: 1] .

ويتصل بتلك الفرية التي أسهبنا في الرد عليها فرية أخرى، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى في الظلام كما يرى في النور، أو يرى بالليل كما يرى بالنهار، استنادًا إلى حديث مروي عن عائشة يقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى في الظلماء كما يرى في النور، جاء في المواهب اللدنية للقسطلانى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بالليل في الظلمة كما يرى في النهار في الضوء. رواه البخارى. وروى البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى في الظلماء كما يرى في الضوء.

يقول الزرقاني في شرحه معلِّقًا على إسناد الحديث للبخاري: لم أجده فيه، وإنما عزاه السيوطي وغيره للبيهقي في الدلائل، وقال: إنه حسن. قال شارحه: ولعله - أي الحكم بالحسن - لاعتقاده، وإلا فقد قال السهيلي: ليس بقوي. ونقل ابن دحية تضعيفه في كتاب"الآيات البينات"عن ابن بشكوال؛ لأن في سنده ضعفًا، فكيف يكون في البخاري؟!

وحديث البيهقي رواه أيضًا ابن عدي، وبقي بن مخلد كما في الشفاء، وضعفه ابن الجوزي والذهبي. لكنه يعتضد بشواهده، فهو حسن كما قال السيوطي. المواهب اللدنية 4/ 83.

وخلاصة ما قاله الزرقاني أن الأحاديث التي يُستدل بها على أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في الظلام كالنهار، سندها ضعيف أو حسن. وذكر الزرقاني أنه صلى الله عليه وسلم قام ليلة فوطئ على زينب بنت أم سلمة بقدمه وهي نائمة، فبكت، وقد يكون ذلك لبيان أن رؤيته في الليل كالنهار ليست في كل الأحوال.

سواء قلَّت السطور هنا أم كثرت، فإنها ستقف عاجزة عن توفية الرسول صلى الله عليه وسلم حقَّه، وسواء أحاط البشر بقدره أم لم يحيطوا به، فإن ذلك لن ينقص من قدره شيئًا، فهو عندنا بالمقام الأسمى، والمنزلة الأرفع بقدر علمنا به، وهو عند ربه تعالى فوق ذلك كله بقدر علمه به.

وإذا كان هناك شرذمة قليلة لم تكلف نفسها معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم حق المعرفة قبل أن تكيل له الاتهامات، وتثير حوله الشُّبَه والافتراءات، فإن هذه الحثالة البشرية ليست بِمَن يُؤبه بها، إن مثلهم كمثل مَنْ وضع الماء ملء فيه ورفع رأسه ليطفئ نور الشمس، فماذا كان حاله غير أن الماء ارتد عليه، فهؤلاء قبل أن يطلقوا سهام الطعن من الغيظ والكراهية ترتد إلى نحورهم خائبة خاسرة، ولن ينتقص هؤلاء من قدر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بمقدار ما ينتقص الأصبع من ماء البحار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت