سنسجل هنا عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ما يمليه علينا المقام، من غير فضول ولا تقصير في المراد؛ إذ الفضول في القول يبعث أحيانًا على الملل، بيد أنه هنا لا ملال فيه ولا كلال؛ لأنه غيض مِن فيض، والتقصير لا يليق بقدر من نتحدث عنه، وبين هذا وذاك تنال الكلمات الشرف الرفيع حين تنتظم انتظامًا لتطاول النجم في ذراه، فإني عجزتْ أشارت إليه في سراه.
كانت أخلاقه - عليه الصلاة والسلام - غير متكلَّفة؛ لأن المتكلف لا يدوم أمره طويلًا، بل يرجع إلى الطبع، وهذا ما أكسبها عظمة وجلالًا. قالوا: إن الخلق ملكة نفسانية، يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة، والإتيان بالأفعال الجميلة شيء، وسهولة الإتيان بها شيء آخر، فالحالة التي باعتبارها تحصل تلك السهولة هي الخلق.
فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلف شيئًا من الفضائل أصلًا، ثم إن اجتماع الفضائل في شخص واحد مع عدم التكلف أمر خارق للعادة؛ لأن الإنسان مخلوقة فيه شهوات، لا يمكن أن يردها إلى حد الاعتدال من غير إفراط أو تفريط، إلا إذا عوَّد نفسه سنين عديدة واجتهد، وقد لا يستطع.
والعاقل إذا شعر بنقيصة فيه، وأراد محاربتها ومحوها بالتعود وقوة الإرادة، كان لا بد من مرور زمن طويل، حتى تزول وتنمحي، وهو في أثناء محاربتها عرضة لأن تظهر عليه تلك النقيصة أو آثارها من حين لآخر، وبالرغم منه، وعند ذلك يلاحظها الناس فيه، فإن كان رجلًا عظيمًا أثبتوها عليه في تاريخ حياته، فيقولون مثلًا: كان بخيلًا ثم اعتاد السخاء، أو جبانًا فتشجع بمعاشرة الشجعان، والاقتداء بهم .. إلخ.
ولم نرَ إنسانًا له نقيصة واحدة فقط، مع كثرة تجاربنا ومعاشرتنا الناس، نعم قد يتوهم كل إنسان أنه كامل لا عيب فيه ولا نقص؛ لأن العين لا ترى نفسها إلا بطريق المرآة، ومرآة الإنسان أصدقاؤه وخلانه ومعاشروه، ثم إن اعتقاد المرء بكماله وتنزهه عن القبائح والرذائل يمنعه من الاطلاع على عيوبه وهفواته وسقطاته وإن كانت كثيرة، ولو أنه سمع رأي الناس فيه، وإن كانوا أقل منه منزلة، لتبين له كثير من المساوئ التي كانت خافية عليه، بسبب اعتقاده الكمال في نفسه.
نقول ذلك؛ إذ قد يعترض علينا أحد فيقول: إنك لم ترَ إنسانًا له نقيصة واحدة فقط، مع أني لا أذكر لنفسي عيوبًا تؤخذ عليَّ، وكل الناس يمدحونني ويوقِّرونني. فهذا القول إنما هو ادعاء رجل محجوب أعمى، فالأولى أن يسأل عن عيوبه؛ حتى يهتدي إليها فيصلحها، قال أبو بكر الصديق - وهو ممن لا يخفى على أحد علمه وفضله وصدقه وإخلاصه وتقواه: رحم الله امرءًا أهدى إليَّ عيوبي"."
يعني أن له عيوبًا يريد الاهتداء إليها. والناس الآن قد بلغ بهم الغرور والكبر والزهو، ما جرَّأهم على القول بتنزههم عن المعايب؛ لذلك حُرِموا من إصلاح أنفسهم.