الصفحة 126 من 128

والخلوُّ من المعايب، واجتماع الفضائل في شخص فرد من المستحيلات، إلا إذا خُلِق الإنسان معتدل المزاج، معتدل الشهوات، صحيح الجسم، صحيح العقل، قوي الأعصاب، من نسل سليم، ليس له وراثة مرضية، خاليًا من مطامع المادة، ومثل هذا الشخص لم يوجد.

أما اعتقاد الإنسان الكمال في نفسه، فهذا مِن حبه ذاته، ومَن أحب ذاته أحب كمال ذاته، وأحب أن يوصف بصفات الكمال، وهذه غريزة تظهر في الأطفال، فإنك إذا مدحت طفلًا صغيرًا بما يفهم، ظهرت على ملامحه سيماء السرور، فإذا كان قبيح المنظر ووصفته بالجمال أمَّن على كلامك وابتسم. وقد سأل شاعر عن رجل خالٍ من كل عيب؛ لأنه لم يجد إنسانًا كاملًا:

مَن ذا الذي ما ساء قط = ومَن له الحسنى فقط

فسمع هاتفًا يقول:

محمد الهادي الذي = عليه جبريل هبط

وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:

خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء موسوعة"الرسول والخلفاء الراشدون"، محمد رضا، مج 5، نوبليس.

ذاك هو النبي صلى الله عليه وسلم، لا يشبهه في أخلاقه وكريم صفاته أحدٌ، مهما كرم محتده، أو علا بين العالمين كعبه. وحسبه صلى الله عليه وسلم ثناء ربه سبحانه وتعالى عليه، حين قال:"وإنك لعلى خلق عظيم" [القلم: 4] . ذاك هو النبي صلى الله عليه وسلم، إن حدثت عن أخلاقه فإنك تحدث عن عظيم، ليس له في العظماء مثيل، وإن أسرتك شيمته وخلقه، فإنك بين يدي رؤوف رحيم، ليس له في العالمين شبيه أو نظير. وإن بحثت عنه بين الشجعان، وجدته جريء الصدر والمقدم، صادق البأس، رابط الجأش، ثابت الجنان، شديد الحملة، ابن كريهة، خوَّاض مغوار. وإن لمحت سناه بين الكرماء، فقد لاقيت رجلًا رحب الباع، خصيب الجناب، معطاء فيَّاضا، سخيًّا جوادا، ليس هناك يد أسخى من يده، ولا كفٌّ أبسط من كفه. وإن أكبرته، فإنك تكبره حيي الطبع، رقيق الوجه، محتشم النفس. وإن عظمته، فإنك تعظمه جليل القدر، فخيم الشأن، عريض الجاه، عالي الكعب. وإن وقرته، فإنك توقره خافض الجناح، واسع الكنف، عطوف رؤوف، رقيق رفيق. وإن ألفيته معرضًا عن الدنيا وزينتها، فإنك تلفاه رضي النفس، قانعًا بالكفاف، راغبًا عن الثراء، زاهدًا في الغنى، اكتفى بقسمة القدر. وإن جذبتك قصص الصابرين المحتسبين، فحسبك مَن لا يلين جنبه لنائبة من نوائب الدهر، ولا يهتز لعادية من عوادي الزمان، ويصبر على ما نابه فلا تنال من صبره الملمات. لم يُرَ أقوى منه جَلَدًا على محنة، ولا أثبت جأشًا على نازلة. وإن جلست تحدث الأجيال عن صادق أمين، فدونك مَن كان صادقًا قبل أن يُختبر صدقه، وأمينًا قبل أن تُمتحن أمانته. وإن أردت مدحًا، فقف في إجلال وإكبار وإعظام للنبي الهادي صلى الله عليه وسلم، وقل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت