فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 274

بِمَعْرِفَةِ قَدْرِهِ وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ مَعَ اجْتِنَابِ نَهْيِهِ، وَيَكُونَ بِذَلِكَ أَهْلًا لِمَحَبَّتِهِ - سُبْحَانَهُ - وَمُسْتَحِقًّا لِأَنْ يَغْفِرَ لَهُ ذُنُوبَهُ.

قِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ كَالْجَوَابِ لِقَوْمٍ ادَّعَوْا أَمَامَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ رَبَّهُمْ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَلَوْ بِطَرِيقِ التَّقْلِيدِ وَالِاتِّبَاعِ لِغَيْرِهِ إِلَّا وَهُوَ يَدَّعِي حُبَّهُ. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ لِيُخَاطِبَ بِهَا نَصَارَى نَجْرَانَ الَّذِينَ ادَّعَوْا - كَمَا يَدَّعِي أَهْلُ مِلَّتِهِمْ - أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. نَعَمْ إِنَّ أَوَائِلَ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَتْ إِذْ كَانَ وَفْدُ نَجْرَانَ فِي الْمَدِينَةِ، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّ الْخِطَابَ فِيهَا عَامٌّ وَحُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الدَّعْوَى فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَمَا قِيمَةُ الدَّعْوَى يُكَذِّبُهَا الْعَمَلُ، وَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الْحُبُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمَحْبُوبِ وَعَدَمِ الْعِنَايَةِ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ؟

تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ ... هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ

لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ

وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ السَّابِقَةَ مِنَ الِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ وَالْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ ; لِأَنَّ هَذَا الِاتِّبَاعَ هُوَ الِاعْتِقَادُ الْحَقُّ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَهُمَا يَمْحُوَانِ مِنَ النَّفْسِ ظُلْمَةَ الْبَاطِلِ، وَيُزِيلَانِ مِنْهَا آثَارَ الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْمَغْفِرَةِ، فَالْمَغْفِرَةُ أَثَرٌ فِطْرِيٌّ لِلْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ بَعْدَ تَرْكِ الذُّنُوبِ كَمَا أَنَّ الْعِقَابَ أَثَرٌ طَبِيعِيٌّ لِلْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ جَعَلَ لِلْمَغْفِرَةِ سُنَّةً عَادِلَةً وَبَيَّنَهَا بِرَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ لِعِبَادِهِ ; وَهِيَ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ بِالِاتِّبَاعِ الَّذِي أَكَّدَ الْأَمْرَ بِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ عَاقِبَةَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ الْحِرْمَانُ مِنْ حُبِّ اللَّهِ - تَعَالَى -، فَقَالَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت