فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 274

{وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ (165) } [1]

"وَمِنْ أَسْبَابِ الْحُبِّ اعْتِقَادُ الْمُحِبِّ أَنَّ فِي الْمَحْبُوبِ قُدْرَةً فَوْقَ قُدْرَتِهِ، وَنُفُوذًا يَعْلُو نُفُوذَهُ، مَعَ ثِقَتِهِ بِأَنَّهُ يَهْتَمُّ لِأَمْرِهِ وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ اللُّجْأُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَا لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهِ بِدُونِهِ. فَهَذَا الِاعْتِقَادُ يُحْدِثُ انْجِذَابًا مِنَ الْمُعْتَقِدِ يَصْحَبُهُ شُعُورٌ خَفِيٌّ بِأَنَّ لَهُ قُوَّةً عَالِيَةً مُسْتَمَدَّةً مِمَّنْ يُحِبُّ، وَيَعْظُمُ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْحُبِّ بِمِقْدَارِ مَا يَعْتَقِدُ فِي الْمَحْبُوبِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْمَزَايَا الَّتِي بِهَا كَانَ مَصْدَرَ الْمَنَافِعِ وَرُكْنَ اللَّاجِئِ، وَكُلُّ مَا لِلْمَخْلُوقِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي دَائِرَةِ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ وَالْأَعْمَالِ الْكَسْبِيَّةِ."

وَأَمَّا قُوَّةُ الْخَالِقِ وَقُدْرَتُهُ وَمَا يَعْتَقِدُهُ الْمُؤْمِنُونَ فِيهِ مِنَ الرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ، وَالصِّفَاتِ الْكَامِلَةِ، وَالْمَشِيئَةِ النَّافِذَةِ، وَالتَّصَرُّفِ الْمُطْلَقِ فِي تَسْخِيرِ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ، وَالسُّلْطَانِ الْمُطَاعِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، فَذَلِكَ مِمَّا يَجْعَلُ حُبَّهُ تَعَالَى أَعْلَى مِنْ كُلِّ مَا يُحَبُّ لِلرَّجَاءِ فِيهِ وَانْتِظَارِ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحُبُّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ; إِذْ لَا يُلْجَأُ إِلَى غَيْرِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَمَا يُلْجَأُ إِلَيْهِ.

وَلَكِنَّ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ قَدْ أَشْرَكُوا أَنْدَادَهُمْ مَعَهُ فِي هَذَا الْحُبِّ، فَحُبُّهُمْ إِيَّاهُمْ مِنْ نَوْعِ حُبِّهِمْ إِيَّاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لَا يَخُصُّونَهُ بِنَوْعٍ مِنَ الْحُبِّ ; إِذْ لَا يَرْجُونَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ جَعَلُوا لِأَنْدَادِهِمْ مِثْلَهُ أَوْ ضَرْبًا مِنَ التَّوَسُّطِ الْغَيْبِيِّ فِيهِ، فَهُمْ كُفَّارٌ مُشْرِكُونَ بِهَذَا الْحُبِّ الَّذِي لَا يَصْدُرُ مِنْ مُؤْمِنٍ مُوَحَّدٍ. وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ بَيَانِ شِرْكِهِمْ هَذَا: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ ; لِأَنَّ حُبَّهُمْ لَهُ خَاصٌّ بِهِ سُبْحَانَهُ لَا يُشْرِكُونَ فِيهِ

(1) سورة البقرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت