أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النِّسَاءِ: 110] ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الْحَجِّ: 78] ، قَالَ: هُوَ سَعَةُ الْإِسْلَامِ، وَمَا جَعَلَ اللَّهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ مِنَ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَةِ. وَظَاهِرُ هَذِهِ النُّصُوصِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَابَ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا، وَاجْتَمَعَتْ شُرُوطُ التَّوْبَةِ فِي حَقِّهِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِقَبُولِ اللَّهِ تَوْبَتَهُ، كَمَا يُقْطَعُ بِقَبُولِ إِسْلَامِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ إِسْلَامًا صَحِيحًا، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: لَا يُقْطَعُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، بَلْ يُرْجَى وَصَاحِبُهَا تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَإِنْ تَابَ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النِّسَاءِ: 48] فَجَعَلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا تَحْتَ مَشِيئَتِهِ، وَرُبَّمَا اسْتَدَلَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [التَّحْرِيمِ: 8] ، وَبِقَوْلِهِ: فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ [الْقَصَصِ: 67] ، وَقَوْلِهِ: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النُّورِ: 31] ، وَقَوْلِهِ: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التَّوْبَةِ: 102] . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي حَقِّ التَّائِبِ، لِأَنَّ الِاعْتِرَافَ يَقْتَضِي النَّدَمَ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. وَهَذِهِ الْآيَاتُ لَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْقَطْعِ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا أَطْمَعَ، لَمْ يُقْطَعْ مِنْ رَجَائِهِ الْمَطْمَعُ، وَمِنْ هُنَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ"عَسَى"مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ، نَقَلَهُ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ. وَقَدْ وَرَدَ جَزَاءُ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ بِلَفْظِ:"عَسَى"أَيْضًا، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التَّوْبَةِ: 18] . وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النِّسَاءِ: 48] ، فَإِنَّ التَّائِبَ مِمَّنْ شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ. وَقَدْ يُرَادُ