فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 274

التَّوْبَةِ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ عَلَى الْعِبَادِ، وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الْحُجُرَاتِ: 11] وَقَدْ فَسَّرَتِ الصَّحَابَةُ كَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ التَّوْبَةَ بِالنَّدَمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهَا بِالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا مِنْ وَجْهٍ فِيهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ لَا يُعْلَمُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا، وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمَا. وَأَمَّا النُّصُوصُ الْكَثِيرَةُ الْمُتَضَمِّنَةُ مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ، وَتَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ لِلْمُتَّقِينَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الْأَنْفَالِ: 29] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [التَّغَابُنِ: 9] ، وَقَوْلِهِ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطَّلَاقِ: 5] ، فَإِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ خِصَالَ التَّقْوَى، وَلَا الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ، فَمَنْ لَمْ يَتُبْ، فَهُوَ ظَالِمٌ، غَيْرُ مُتَّقٍ. وَقَدْ بَيَّنَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ خِصَالَ التَّقْوَى الَّتِي يَغْفِرُ لِأَهْلِهَا وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، فَذَكَرَ مِنْهَا الِاسْتِغْفَارَ، وَعَدَمَ الْإِصْرَارِ، فَلَمْ يَضْمَنْ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ وَمَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ إِلَّا لِمَنْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمَّا أَعْتَقَ مَمْلُوكَهُ الَّذِي ضَرَبَهُ قَالَ: لَيْسَ لِي فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ شَيْءٌ، حَيْثُ كَانَ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَنْبُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَكَيْفَ بِمَا كَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ مُكَفِّرًا لِلْكَبَائِرِ؟ وَسَبَقَ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ السَّيِّئَةَ تُمْحَى وَيُسْقَطُ نَظِيرَهَا حَسَنَةٌ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي هِيَ ثَوَابُ الْعَمَلِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الصَّغَائِرِ، فَكَيْفَ بِالْكَبَائِرِ؟ فَإِنَّ بَعْضَ الْكَبَائِرِ قَدْ يُحْبِطُ بَعْضَ الْأَعْمَالِ الْمُنَافِيَةِ لَهَا، كَمَا يُبْطِلُ الْمَنُّ وَالْأَذَى الصَّدَقَةَ، وَتُبْطِلُ الْمُعَامَلَةُ بِالرِّبَا الْجِهَادَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ يَهْدِمُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا خَرَّجَهُ الْبَزَّارُ، وَكَمَا يُبْطِلُ تَرْكُ صَلَاةِ الْعَصْرِ الْعَمَلَ، فَلَا يُسْتَنْكَرُ أَنْ يُبْطِلَ ثَوَابَ الْعَمَلِ الَّذِي يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ. وَقَدْ خَرَّجَ الْبَزَّارُ فِي"مُسْنَدِهِ"وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت