وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: اسْتَقَامُوا عَلَى مَحَبَّتِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا عَنْهُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ. قَالَ: قُلْ آمَنَتْ بِاللَّهِ. ثُمَّ اسْتَقِمْ.
وَفِيهِ عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا. وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ. وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ.
وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْعَبْدِ الِاسْتِقَامَةُ. وَهِيَ السَّدَادُ. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا فَالْمُقَارَبَةُ. فَإِنْ نَزَلَ عَنْهَا: فَالتَّفْرِيطُ وَالْإِضَاعَةُ. كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ.
فَجَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَقَامَاتِ الدِّينِ كُلَّهَا. فَأَمَرَ بِالِاسْتِقَامَةِ، وَهِيَ السَّدَادُ وَالْإِصَابَةُ فِي النِّيَّاتِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ.
وَأَخْبَرَ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ: أَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَهَا. فَنَقَلَهُمْ إِلَى الْمُقَارَبَةِ. وَهِيَ أَنْ يَقْرَبُوا مِنْ الِاسْتِقَامَةِ بِحَسَبِ طَاقَتِهِمْ. كَالَّذِي يَرْمِي إِلَى الْغَرَضِ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ يُقَارِبْهُ. وَمَعَ هَذَا فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ وَالْمُقَارَبَةَ لَا تُنْجِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَلَا يَرْكَنُ أَحَدٌ إِلَى عَمَلِهِ. وَلَا يُعْجَبُ بِهِ. وَلَا يَرَى أَنَّ نَجَاتَهُ بِهِ، بَلْ إِنَّمَا نَجَاتُهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ وَفَضْلِهِ.