ولما أنزل الله عز وجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ لَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [1] ندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب إلى الجهاد وأعلمهم بغزو الروم وذلك في رجب من سنة تسع وكان لا يريد غزوة إلا ورى بغيرها إلا غزوته هذه فإنه صرح لهم بها ليتأهبوا لشدة عدوهم وكثرته في زمن عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمار وأحبت الظلال فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه.
إعتذار الجد بن قيس المنافق:-
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أخي بني سلمة هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر فقال يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال قد أذنت لك ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [2] أي إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم وإن جهنم لمن ورائه.
منافق يقول لا تنفروا في الحر:-
قال قائل من المنافقين لبعض لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد وشكا في الحق وإرجافا بالرسول فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم {وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ - إلى قوله -جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} .
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأذن لهم فأنزل الله تبارك وتعالى آيات تفضح أمر المعذرون بقوله عز وجل {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} ثم عاتب الله نبيه في إذنه لهم قائلًا سبحانه {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} ثم قال إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ *
(1) (التوبة: 29) .
(2) (التوبة: 49) .