فافترق الناس ورجع معاوية إلى الشام وعلي إلى الكوفة فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه وقالوا: لا حكم إلا الله وعسكروا بحروراء فبعث إليهم ابن عباس فخاصمهم وحجهم فرجع منهم قوم كثير وثبت قوم وساروا إلى النهروان فعرضوا للسبيل فسار إليهم علي فقتلهم بالنهروان وقتل منهم ذا الثدية وذلك سنة ثمان وثلاثين واجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة وحضرها سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من الصحابة فقدم عمرو أبا موسى الأشعري مكيدة منه فتكلم فخلع عليا وتكلم عمرو فأقر معاوية وبايع له فتفرق الناس على هذا وصار علي في خلاف من أصحابه حتى صار يعض على أصبعه ويقول: أعصى ويطاع معاوية؟!
وانتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المرادي والبرك بن عبد الله التميمي وعمرو بن بكير التميمي فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ويريحوا العباد منهم فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي وقال البرك: أنا لكم بمعاوية وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص وتعاهدوا على أن ذلك يكون في ليلة واحدة ليلة حادي عشر أو ليلة سابع عشر رمضان.
ثم توجه كل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه فقدم ابن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريدون إلى ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين فاستيقظ علي سحرا فقال لابنه الحسن رأيت الليلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ فقال لي: (( ادع الله عليهم ) )فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم وأبدلهم بي شرا لهم مني ودخل ابن الذباح المؤذن على علي فقال: الصلاة فخرج علي من الباب ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة فاعترضه ابن ملجم فضربه بالسيف فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه فشد عليه الناس من كل جانب فأمسك وأوثق وأقام علي الجمعة والسبت وتوفي ليلة الأحد وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن ودفن بدار الإمارة بالكوفة ليلا ثم قطعت أطراف ابن ملجم وجعل في قوصرة وأحرقوه بالنار هذا كله كلام ابن سعد وقد أحسن في تلخيصه هذه الوقائع ولم يوسع فيها الكلام كما صنع غيره لأن هذا هو اللائق بهذا المقام ... قال - صلى الله عليه وسلم: (( إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ) ). وقال: (( بحسب أصحابي القتل ) )
قال أبو بكر بن عياش: عمي قبر علي لئلا ينبشه الخوارج
وقال شريك: نقله ابنه الحسن إلى المدينة
وقال المبرد عن محمد بن حبيب: أول من حول من قبر إلى قبر علي رضي الله عنه
وكان لعلي حين قتل ثلاث وستون سنة [1] .
(1) (تاريخ الخلفاء للسيوطي: 1/ 155) .