قَوْلُهُ: (وَالْمُهَاجِرُ) هُوَ مَعْنَى الْهَاجِرِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْمُفَاعِلِ يَقْتَضِي وُقُوعَ فِعْلٍ مِنِ اثْنَيْنِ ; لَكِنَّهُ هُنَا لِلْوَاحِدِ كَالْمُسَافِرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ كَوْنِهِ هَاجِرًا وَطَنَهُ مَثَلًا أَنَّهُ مَهْجُورٌ مِنْ وَطَنِهِ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ ضَرْبَانِ: ظَاهِرَةٌ، وَبَاطِنَةٌ. فَالْبَاطِنَةُ تَرْكُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَالشَّيْطَانُ، وَالظَّاهِرَةُ الْفِرَارُ بِالدِّينِ مِنَ الْفِتَنِ. وَكَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلُوا عَلَى مُجَرَّدِ التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَمْتَثِلُوا أَوَامِرَ الشَّرْعِ وَنَوَاهِيَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قِيلَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ، بَلْ حَقِيقَةُ الْهِجْرَةِ تَحْصُلُ لِمَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، فَاشْتَمَلَتْ هَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ عَلَى جَوَامِعَ مِنْ مَعَانِي الْحِكَمِ وَالْأَحْكَامِ.
(تَنْبِيهٌ) : هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُسْلِمٍ، بِخِلَافِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ. عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ صَحِيحًا الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ وَكَأَنَّهُ اخْتَصَرَهُ هُنَا لِتَضَمُّنِهِ لِمَعْنَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ) هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيِّ الْمَذْكُورِ فِي الْإِسْنَادِ الْمَوْصُولِ. وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانُ سَمَاعِهِ لَهُ مِنَ الصَّحَابِيِّ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ رِوَايَةُ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ لَهُ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، حَكَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ، فَعَلَى هَذَا لَعَلَّ الشَّعْبِيَّ بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ لَقِيَهُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ. وَنَبَّهَ بِالتَّعْلِيقِ الْآخَرِ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الَّذِي أُهْمِلَ فِي رِوَايَتِهِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الَّذِي بُيِّنَ فِي رِوَايَةِ رَفِيقِهِ، وَالتَّعْلِيقُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ"سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ"فَعُلِمَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إِلَّا أَصْلَ الْحَدِيثِ.