فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 474

بِأَمَانَةِ اللَّهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ ضَمَّ يَدَهُ، فَقَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَلِكَ مَرَّةً ثَالِثَةً، فَقَالَ عُثْمَانُ فِي الثَّالِثَةِ: هَاكَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَدَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطُوفُ وَمَعَهُ الْمِفْتَاحُ، وَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى الْعَبَّاسِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عُثْمَانُ خُذِ الْمِفْتَاحَ عَلَى أَنَّ لِلْعَبَّاسِ نَصِيبًا مَعَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُثْمَانَ:"هَاكَ خَالِدَةٌ تَالِدَةٌ لَا يَنْزِعُهَا مِنْكَ إِلَّا ظَالِمٌ"ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ هَاجَرَ وَدَفَعَ الْمِفْتَاحَ إِلَى أَخِيهِ شَيْبَةَ فَهُوَ فِي وَلَدِهِ الْيَوْمَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَا يُوجِبُ كَوْنَهَا مَخْصُوصَةً بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْأَمَانَاتِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مُعَامَلَةَ الْإِنْسَانِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعَ رَبِّهِ أَوْ مَعَ سَائِرِ الْعِبَادِ، أَوْ مَعَ نَفْسِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ الْأَمَانَةِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ.

أَمَّا رِعَايَةُ الْأَمَانَةِ مَعَ الرَّبِّ: فَهِيَ فِي فِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَهَذَا بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْأَمَانَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَازِمَةٌ، فِي الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فَرْجَ الْإِنْسَانِ وَقَالَ: هَذَا أَمَانَةٌ خَبَّأْتُهَا عِنْدَكَ، فَاحْفَظْهَا إِلَّا بِحَقِّهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، فَأَمَانَةُ اللِّسَانِ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي الْكَذِبِ وَالْغَيْبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ وَالْفُحْشِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَانَةُ الْعَيْنِ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهَا فِي النَّظَرِ إِلَى الْحَرَامِ، وَأَمَانَةُ السَّمْعِ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي سَمَاعِ الْمَلَاهِي وَالْمَنَاهِي، وَسَمَاعِ الْفُحْشِ وَالْأَكَاذِيبِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ رِعَايَةُ الْأَمَانَةِ مَعَ سَائِرِ الْخَلْقِ، فَيَدْخُلُ فِيهَا رَدُّ الْوَدَائِعِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ التَّطْفِيفِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَنْ لَا يُفْشِيَ عَلَى النَّاسِ عُيُوبَهُمْ، وَيَدْخُلُ فِيهِ عَدْلُ الْأُمَرَاءِ مَعَ رَعِيَّتِهِمْ وَعَدْلُ الْعُلَمَاءِ مَعَ الْعَوَامِّ بِأَنْ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت