الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: مِنَ الْأَمَانَاتِ الْوَدَائِعُ، وَيَجِبُ رَدُّهَا عِنْدَ الطَّلَبِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ. وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ، رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: اسْتَحْمَلَنِي رَجُلٌ بِضَاعَةً، فَضَاعَتْ مِنْ بَيْنِ ثِيَابِي، فَضَمِنَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ لِإِنْسَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَذَهَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ: ذَهَبَ لَكَ مَعَهَا شَيْءٌ؟ قُلْتُ: لَا، فَأَلْزَمَنِي الضَّمَانَ. وَحُجَّةُ الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا ضَمَانَ عَلَى رَاعٍ وَلَا عَلَى مُؤْتَمَنٍ"وَأَمَّا فِعْلُ عُمَرَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُودِعَ اعْتَرَفَ بِفِعْلٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ بَعْدَ الْهَلَاكِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: غَيْرُ مَضْمُونَةٍ. حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَبَعْدَ هَلَاكِهَا تَعَذَّرَ رَدُّهَا بِصُورَتِهَا، وَرَدُّ ضَمَانِهَا رَدُّهَا بِمَعْنَاهَا، فَكَانَتِ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى وُجُوبِ التَّضْمِينِ. وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ"أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ فِي الْوَدِيعَةِ، لَكِنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ، وَأَيْضًا فَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَامَ مَضْمُونٌ، وَأَنَّ الْمُودَعَ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَالْعَارِيَّةَ وَقَعَتْ فِي الْبَيْنِ، فَنَقُولُ: الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الْعَارِيَّةِ وَبَيْنَ الْمُسْتَامِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَهُ الْأَجْنَبِيُّ لِغَرَضِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْمُودَعِ، فَإِنَّهُ أَخَذَ الْوَدِيعَةَ لِغَرَضِ الْمَالِكِ، فَكَانَتِ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الْمُسْتَعَارِ وَبَيْنَ الْمُسْتَامِ أَتَمَّ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْتَعَارِ وَبَيْنَ الْمُودَعِ. حُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"لَا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ".
قُلْنَا: إِنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي الْمُسْتَامِ، فَكَذَا فِي الْعَارِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ دَلِيلَنَا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَهُوَ أَقْوَى" [1] ."
(1) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ... » سورة النساء ... » قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها