الثَّانِي: أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَهُمَا فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْفُلُوسَ الْحَدِيدِيَّةَ لَا يَتَعَامَلُ بِهَا بِالْعُرْفِ الْجَارِي قَدِيمًا وَحَدِيثًا، إِلَّا فِي الْمُحَقَّرَاتِ فَلَا يُشْتَرَى بِهَا شَيْءٌ لَهُ بَالٌ بِخِلَافِ الْأَوْرَاقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا أَقْرَبُ لِلْفِضَّةِ مِنَ الْفُلُوسِ.
الثَّالِثُ: أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الْأَمْرَيْنِ مُحْتَمَلٌ فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُ"، وَيَقُولُ:"فَمَنْ تَرَكَ الشُّبَهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ"، وَيَقُولُ:"وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ"الْحَدِيثَ. وَقَالَ النَّاظِمُ
وَذُو احْتِيَاطٍ فِي أُمُورِ الدِّينِ مَنْ فَرَّ مِنْ شَكٍّ إِلَى يَقِينِ
وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى التَّحْرِيمِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ ; لِأَنَّ تَرْكَ مُبَاحٍ أَهْوَنُ مِنِ ارْتِكَابِ حَرَامٍ، وَلَا سِيَّمَا تَحْرِيمُ الرِّبَا الَّذِي صَرَّحَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّ مُرْتَكِبَهُ مُحَارِبُ اللَّهِ، وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعْنُهُ. وَمِنْ أَنْوَاعِ الرِّبَا مَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَنْعِهِ، كَمَا إِذَا كَانَ الْبَيْعُ ظَاهِرُهُ الْحِلْيَةُ، وَلَكِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِهِ التَّوَصُّلُ إِلَى الرِّبَا الْحَرَامِ عَنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ الْمُبَاحَةِ فِي الظَّاهِرِ كَمَا لَوْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ اشْتَرَى تِلْكَ السِّلْعَةَ بِعَيْنِهَا بِثَمَنٍ أَقَلَّ مِنَ الْأَوَّلِ نَقْدًا، أَوْ لِأَقْرَبَ مِنَ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ، أَوْ بِأَكْثَرَ لِأَبْعَدَ فَظَاهِرُ الْعَقْدَيْنِ الْإِبَاحَةُ ; لِأَنَّهُ بَيْعُ سِلْعَةٍ بِدَرَاهِمَ إِلَى أَجَلٍ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَهَذَا لَا مَانِعَ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ دَفْعَ دَرَاهِمَ وَأَخْذَ دَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا لِأَجْلِ أَنِ السِّلْعَةَ الْخَارِجَةَ مِنَ الْيَدِ الْعَائِدَةِ إِلَيْهَا مُلْغَاةٌ، فَيَئُولُ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّهُ دَفْعُ دَرَاهِمَ وَأَخْذُ أَكْثَرَ مِنْهَا لِأَجَلٍ، وَهُوَ عَيْنُ الرِّبَا الْحَرَامِ وَمِثْلُ هَذَا مَمْنُوعٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ كَمَا فِي"الِاسْتِذْكَارِ"، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ.