وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَثْبُتُ لَهُ الْحُكْمُ بِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ، لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى بِالْمَعْلُوفَةِ السَّوْمَ، وَلِأَنَّ الْقُنْيَةَ الْأَصْلُ، وَالتِّجَارَةُ فَرْعٌ عَلَيْهَا، فَلَا يَنْصَرِفُ إلَى الْفَرْعِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَالْمُقِيمِ يَنْوِي السَّفَرَ، وَبِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَوَى الْقُنْيَةَ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا إلَى الْأَصْلِ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ. فَكَذَلِكَ إذَا نَوَى بِمَالِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ، انْقَطَعَ حَوْلُهُ، ثُمَّ إذَا نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَبِيعَهُ، وَيَسْتَقْبِلَ بِثَمَنِهِ حَوْلًا.
فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَاشِيَةٌ لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ حَوْلٍ، فَنَوَى بِهَا الْإِسَامَةَ، وَقَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ، انْقَطَعَ حَوْلُ التِّجَارَةِ، وَاسْتَأْنَفَ حَوْلًا. كَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ; لِأَنَّ حَوْلَ التِّجَارَةِ انْقَطَعَ بِنِيَّةِ الِاقْتِنَاءِ، وَحَوْلُ السَّوْمِ لَا يَنْبَنِي عَلَى حَوْلِ التِّجَارَةِ. وَالْأَشْبَهُ بِالدَّلِيلِ أَنَّهَا مَتَى كَانَتْ سَائِمَةً مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا عِنْدَ تَمَامِهِ. وَهَذَا يُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ إِسْحَاقَ، لِأَنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وُجِدَ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ خَالِيًا عَنْ مُعَارِضٍ، فَوَجَبَتْ بِهِ الزَّكَاةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ التِّجَارَةَ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَتْ السَّائِمَةُ لَا تَبْلُغُ نِصَابًا بِالْقِيمَةِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ نِصَابٌ لِلزَّكَاةِ، فَاتَّجَرَ فِيهِ، فَنَمَا، أَدَّى زَكَاةَ الْأَصْلِ مَعَ النَّمَاءِ، إذَا حَالَ الْحَوْلُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حَوْلَ النَّمَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى حَوْلِ الْأَصْلِ ; لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ فِي الْمِلْكِ، فَتَبِعَهُ فِي الْحَوْلِ، كَالسِّخَالِ وَالنِّتَاجِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو يُوسُفَ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ بَنَى حَوْلَ كُلِّ مُسْتَفَادٍ عَلَى حَوْلِ جِنْسِهِ نَمَاءً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ نَضَّتْ الْفَائِدَةُ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ يَبْنِ حَوْلَهَا عَلَى حَوْلِ النِّصَابِ، وَاسْتَأْنَفَ لَهَا حَوْلًا، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.} وَلِأَنَّهَا فَائِدَةٌ تَامَّةٌ لَمْ تَتَوَلَّدْ مِمَّا عِنْدَهُ، فَلَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَفَادَ مِنْ غَيْرِ الرِّبْحِ. وَإِنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِنِصَابٍ، فَزَادَتْ قِيمَتُهَا عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ، فَإِنَّهُ يَضُمُّ