فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 474

، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي كَنَوْحِ الْأُمَّهَاتِ وَتَمْزِيقِ ثِيَابِهِنَّ وَلَطْمِ وُجُوهِهِنَّ، فَفِتْنَةُ الْأَوْلَادِ لَهَا جِهَاتٌ كَثِيرَةٌ، فَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ فِتْنَةِ الْأَمْوَالِ، وَأَكْثَرُ تَكَالِيفَ مَالِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ وَبَدَنِيَّةٍ. فَالرَّجُلُ يَكْسِبُ الْحَرَامَ، وَيَأْكُلُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ; لِأَجْلِ أَوْلَادِهِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِكَبَائِرِ شَهَوَاتِهِ، فَإِذَا قَلَّتَ شَهَوَاتُهُ فِي الْكِبَرِ فَصَارَ يَكْفِيهِ الْقَلِيلُ مِنَ الْمَالِ، يَقْوَى فِي نَفْسِهِ الْحِرْصُ عَلَى شَهَوَاتِ أَوْلَادِهِ، وَمَا يَكْفِي الْوَاحِدَ لَا يَكْفِي الْآحَادَ، وَفِتْنَةُ الْأَمْوَالِ قَدْ تَكُونُ جُزْءًا مِنْ فِتْنَةِ الْأَوْلَادِ، فَتَقْدِيمُهَا وَتَأْخِيرُ فِتْنَةِ الْأَوْلَادِ مِنْ بَابِ الِانْتِقَالِ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى.

فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ اتِّقَاءُ خَطَرَ الْفِتْنَةِ الْأُولَى بِكَسْبِ الْمَالِ مِنَ الْحَلَالِ، وَإِنْفَاقِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَاتِّقَاءُ الْحَرَامِ مِنَ الْكَسْبِ وَالْإِنْفَاقِ، وَاتِّقَاءُ خَطَرِ الْفِتْنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ جِهَةِ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْمَالِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُشِيرُ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَبِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْوَالِدَيْنِ مِنْ حُسْنِ تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ عَلَى الدِّينِ وَالْفَضَائِلِ، وَتَجْنِيبِهِمْ أَسْبَابَ الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا (66: 6) .

وَقَدْ عَطَفَ عَلَى هَذَا التَّحْذِيرِ قَوْلَهُ: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ لِتَذْكِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا يُعِينُهُمْ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنِ اتِّقَاءِ الْفِتْنَتَيْنِ، وَهُوَ إِيثَارُ مَا عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنَ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ لِمَنْ رَاعَى أَحْكَامَ دِينِهِ وَشَرَعِهِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، وَوَقَفَ عِنْدَ حُدُودِهِ، وَتَفْضِيلَهُ عَلَى كُلِّ مَا عَسَاهُ يَفُوتُهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ التَّمَتُّعِ بِهِمَا، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ مِثْلَ هَفْوَةِ أَبِي لُبَابَةَ حِينَ حَذَّرَ أَعْدَاءَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ فَتْحِ حِصْنِهِمْ، وَالنُّزُولِ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، لِمَا كَانَ لَهُ مِنَ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِمْ فِي حِفْظِ مَالِهِ وَوَلَدِهِ، عَلَى أَنَّ لِلْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ حُسْنَ قُدْوَةٍ بِأَبِي لُبَابَةَ فِي تَوْبَتِهِ النَّصُوحِ، إِذْ أَلَمَّ بِهِ ضَعْفٌ فَوَقَعَ فِي مِثْلِ هَفْوَتِهِ أَوْ مَا دُونَهَا مِنْ خِيَانَةٍ، وَأَيْنَ مِثْلُ أَبِي لُبَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ؟ وَنَحْنُ نَرَى كَثِيرًا مِمَّنْ يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ يَخُونُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي انْتِهَاكِ حُرُمَاتِ دِينِهِمْ، وَيَخُونُونَ أُمَّتَهُمْ وَدَوْلَتَهُمْ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَالِ يَرْجُونَهُ أَوْ يَنَالُونَهُ مَنْ عَدُوِّهِمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت