ولعل في كل ما قدمنا ما يدل أوضح الدلالة على أن رواة لا يحصيهم العد حملوا الشعر الجاهلي إلى عصور التدوين؛ فقد حافظت القبائل عليه كما حافظ كثير من الأفراد وخاصة الشعراء والرواة. وبذلك أسلموه للأجيال التالية، وإن كان قد شابه شيء من الانتحال والوضع على نحو ما سنعرض لذلك في غير هذا الموضع، ومن غير شك سقط منه كثير في أثناء اجتيازه هذا الطريق الزمني الطويل، يقول ابن سلام:"لما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر؛ فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عليهم منه كثير1".
1 ابن سلام ص 22