لعل الشعر الجاهلي لم يعرف شاعرًا عني بتنقيحه عناية زهير، وقد ذهب القدماء يقولون إنه كان يَرْوي شعر زوج أمه أوس بن حجر الشاعر التميمي المشهور، كما كان يروي شعر طفيل الغنوي1 المعروف ببراعته في وصف الخيل والصيد، وأيضًا فإنه كان يروي شعر خاله بشامة بن الغدير2. وهم لا يقفون بملاحظاتهم عند ذلك؛ إذ يقولون إنه خَرَّجَ ابنه كعبًا في الشعر كما خَرّج الخطيئة3.
فنحن إذن بإزاء شاعر ممتاز، عاش للشعر يرويه ويعلمه، أو بعبارة أخرى نحن بإزاء مدرسة يتضح فيها زهير وتلميذاه كعب والحطيئة، وإذا أردنا أن نبحث لزهير عن أستاذ حقيقي تأثره في شعره من بين الثلاثة الذين ذكروهم؛ وجدنا أقربهم إلى شعره أوس بن حجر زوج أمه؛ فإنه يتأثره في جميع جونب فنه، يتأثره في الموضوعات التي عالجها وفي طريقة معالجته لها، وفيما يصوغه من معان.
1 العمدة لابن رشيق:"طبعة أمين هندية"1/ 132، وانظر الشعر والشعراء: 1/ 86.
2 أغاني: 10/ 312.
3 أغاني"طبع دار الكتب": 2/ 165، 8/ 91 والشعر والشعراء 1/ 93.