لعل أهم ما يميز حياة العرب في الجاهلية أنها كانت حياة حربية تقوم على سفك الدماء حتى لكأنه أصبح سُنَّة من سننهم؛ فهم دائمًا قاتلون مقتولون، لا يفرغون من دم إلا إلى دم؛ ولذلك كان أكبر قانون عندهم يخضع له كبيرهم وصغيرهم هو قانون الأخذ بالثأر؛ فهو شريعتهم المقدسة، وهي شريعة تصطبغ عندهم بما يشبه الصبغة الدينية؛ إذ كانوا يحرمون على أنفسهم الخمر والنساء والطيب حتي يثأروا من غرمائهم. ولم يكن لأي فرد من أفراد القبيلة حق ولا ما يشبه الحق في نقض هذه الشريعة ولا في الوقوف ضدها أو الخروج عليها، فما هي إلا أن يُقْتَل أحد منهم؛ فإذا سيوف عشيرته مسلولة، وتتبعها العشائر الأخرى في قبيلته، تؤازرها في الأخذ بثأرها، ويتعدد القتل والثأر بينها وبين القبيلة المعادية، وتتوارثان الثارات حتي يتدخل من يصلح بينهما ويتحمل الديات والمغارم، ولم يكونوا يقبلونها إلا بعد تفاقهم الأمر وإلا بعد أن تأتي الحرب على الحرث والنسل. أما قبل ذلك فكانوا يعدونها سبة وعارًا وفي ذلك يقول عبد العزى الطائي1:
1 حماسة البحتري"طبع بيروت"ص 28 وانظر 29، 31 والمرزوقي على الحماسة 1/ 215 - 216 وراجع المفضليات، القصيدة رقم 42 البيت 15 والأصمعيات القصيدة رقم 44 البيت 1، 2.