ممن فقأ عيْنَ بعير في الجاهلية، وكان الرجل إذا ملك ألف بعير فقأ عين فحلها1"."
وكان بشامة من أحزم الناس رأيًا فكان قومه يستشيرونه ويصدرون عن رأيه، ولم يكن له ولد؛ فلما حضرته الوفاة جعل يقسم ماله في أهل بيته وأعطى زهيرًا نصيبًا منه ويُروَى أنه قال له: إني أعطيتك ما هو أفضل من المال، فقال زهير: ما هو؟ فقال له: شعري2، وهو لم يرث عنه شعره وماله فقط؛ بل ورث عنه أيضًا خلقه الكريم. وفي أخباره أنه تزوج من امرأتين: أم أوفى وهي التي يذكرها كثيرًا في شعره، ويظهر أن المعيشة لم تستقم بينهما؛ فطلقها بعد أن ولدت منه أولادًا ماتوا جميعًا. والثانية التي تزوجها من بعدها هي كبشة بنت عمار الغطفانية، وهي أم أولاده: كعب وبجير وسالم، ومات سالم في حياته ورثاه ببعض شعره3.
وهو يتحدث في شعره طويلًا عن حروب داحس والغبراء مشيدًا بهرم بن سنان والحارث بن عوف سيدي بني مرة اللذين حقنا دماء عبس وذبيان بعد أن طال عليهما الأمد في تلك الحروب؛ إذ تحمَّلا ديات القتلى، ويقال إنها كانت ثلاثة آلاف بعير أدياها في ثلاث سنين4. واعتدَّ زهير بهذه المنة الجليلة فأشاد بها في معلقته، وظل طوال حياته يمدح هرمًا ويمجده، وهرم يغدق عليه5.وبذلك أعطى كل منهما صاحبه خير ما يملك، وقد ذهب ما أعطاه هرم لزهير مع الزمن، أما ما أعطاه زهير هرمًا فخلد على الأيام. ومن طريف ما يُروى في هذا الصدد أن هرمًا"حلف أن لا يمدحه زهير إلا أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه ولا يسلم عليه إلا أعطاه: عبدًا أو وليدة أو فرسًا، فاستحيا زهير مما كان يقبل منه؛ فكان إذ رآه في ملإ قال: عموا صباحًا غير هرم، وخيركم استثنيت6". ونراه يشيد بحصن بن حذيفة سيد بني فزارة الغطفانيين، وخاصة بحروبه مع أحلافه بني أسد ضد النعمان بن الحارث الغساني وما أنزلوا بجيوشه من هزائم منكرة7. وليس في ديوانه وراء حروب حصن وحروب داحس والغبراء إشارة إلى غارات سوى ما كان من غارة الحارث بن ورقاء الأسدي في جماعة من قومه على عشيرته، وقد أخذ فيما أخذ
1 ابن سلام: ص563.
2 أغاني:"طبع دار الكتب"10/ 312.
3 أغاني: 10/ 313.
4 أغاني: 10/ 297.
5 أغاني: 10/ 305.
6 أغاني: 10/ 305.
7 انظر ديوان زهير"طبعة دار الكتب"ص143 ومختار الشعر الجاهلي للسقا ص245.