الفصل السابع:
الجاسوس النبيل
وقف دافيد کيمحي صباح يوم رطب من ايام ربيع 1997 م، يدلي بتعليماته إلى البستانيين العرب بشان ما يريده من تغييرات في حديقته بضاحية من ضواحي تل أبيب فكان يتحدث بلهجة واثقة، ينساب صوته بعذوبة تناسب أروقة الجامعة اكثر من إعطاء التعليمات للعمال، بما يوحي أنه سليل أجيال من الإداريين الذين رفعوا علم بريطانيا في أقاصي المعمورة. ولد كيمحي إنجليزية لأسرة يهودية من الطبقة الوسطى، واكتسب أسلوبا في التصرف وكياسة يعكسان الصورة الشائعة للإنجليزي المهذب، أما ثيابه الغالية الصنع، فكانت تبرز قوامة احتفظ به ممشوقة بفضل التدريبات والنظام الغذائي الصارم.
وكان يبدو أصغر من سنة التي شارفت على الستين بنحو عشرين سنة، بالإضافة إلى شيء ما يجعله يبدو صبية، فكل حركاته وهو يشرع للبستانيين - حركة يزيح بها الشعر عن جبينه، ولحظات صمت طويلة ونظرة متاملة - توحي بأنه قضى حياته أما بين جدران الدير أو جدران الجامعة. والواقع أن دافيد كان، كما يسميه مائير عاميت، واحدة من مراكز توليد الأفكار وراء العديد من عمليات الموساد. فمهاراته المنطقية، وما يواكبها من جراة مذهلة تباغت اشد المتشككين