الصفحة 47 من 169

مفهومة في ضوء أغراضه السياسية التي هي احتلال الامبراطورية الفارسية وتوطيد امبراطوريته مكانها. فمن هذه الوجهة كان في احتلال مصر ميزة اقتصادية عظيمة. وأخيرا عاد فسار نحو الشمال مرة أخرى إلى حلب ومنها اتجه شرقا وأقترب اقترابا مباشرة من الجيش الحديث الذي جمعه دار بوس بالقرب من الموصل. وهنا برهن الاسكندر وجيشه مرة أخرى في ''جو جاميلا على تفوقهم تماما على جيش هو في اعتبار أقل العوائق التي تعترض الاسكندر في طريقه إلى غايته التي يرمي اليها في " استراتيجه العظمي. وأعقب ذلك أحتلال ابل. أما حملات الاسكندر التالية التي كللت بالنجاح إلى أن وصل إلى حدود الهند فكانت من الوجهة العسكرية بمثابة تشطيب الامبراطورية الفارسية. وان كانت من الوجهة السياسية توطيدا الامبراطوريته. على أنه أجتاز غصبا المضيق"الأوكسياني وبوابات بلاد الفرس باقتراب غير مباشر ولما لاقاه ''بوراس» (أمير وعاهل هندي) على نهر الهداسبس'' أظهر من الخدعة منتهاها، جاءت برهانا ساطعا على مبلغ ما كان له من المقدرة الاستراتيجية. وهي أنه حزن غلالا في أماكن متفرقة على طول الشاطئ الغربي لهذا النهر ووزع عليها جيشه فغافل خصمه حتى غم عليه ما ينويه الاسكندر. ثم أخذت فرسان الاسكندر تسير ذهابا و جيئة بجعلبة وضوضاء حتى ارتاع لما بوراس في بادئ الأمر. ولكنها لما استمرت على ذلك مرارا وتكرارا تضاءل أمرها في فكره بحكم الاعتياد وسكن اليها واستنام لها. وبعد أن استقر ''بوراس» على هذه الحالة ترك الاسكندر السواد الأعظم من جيشه أمامه (بوراس) ثم عبر النهر هو بنفسه على مسافة 18 ميلا صعودا على مجراه. و مفاجأته بهذا الاقتراب غير المباشر أخل توازنة العقلي والأدبي، و توازن جيشه الأدبي والحساني. وبهذه الوسيلة تمكن الاسكندر بجزء من جيشه أن يهزم كل أعدائه بوجه التقريب، في المعركة التي نشبت على أثر هذه الحركة. فلولا هذه القنقلية التي حصات على المنوال السالف الذكر، لما كان هناك مبرر يبرر تعريض الاسكندر الجزء صغير من جيشه للهزيمة وهو منفصل عن تنمية الجيش، سواء من الوجهة النظرية أو من الوجهة العملية."

وفي الحروب الطويلة التي شنها 'خلفاء الإسكندر بعد موته، وهي الحروب التي مزقت امبراطوريته أمثلة عديدة للاقتراب غير المباشر لأن قواده كانوا أكفا من مارشالية ناباون. ثم ان ما اكتسبوه من المراس أدى بهم إلى ادراك المعنى الحقيقي للاقتصاد في القوة. ولكن مراعاة للاتصاف قد اقتصر هذا التعديل على الحملات الحربية الحاسمة التي وقعت في التاريخ العتيق. فهذه الحروب ليس فيها ما يصح تسميته حاسما بصورة قمعية الا الحرب الأخيرة منها التي كانت في سنة 201 ق. م. فان حاسميتها لا نزاع فيها. لأنها بحسب ما جاء عنها في كتاب التاريخ العتيق لكيمبردج من القول الموزون كانت "خاتمة النضال بين القوة المركزية والعائلات الحاكمة فأصبح"تقسيم العالم الأغريقي - المقدوني أمرا لا مفر منه."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت