الصفحة 59 من 169

بالعبور إلى أفريقيا ولم يسمح له بتجنيد الجنود، بناء على ذلك شرع في تجريدته ومعه من الجند مالا يزيد عن 7?000 متطوع وفرقتان (ليجيونان) جردا من الشرف و عوقبتا بالبقاء في خدمة الحامية بسيسليا لاشتراكهما في هزيمة"كأنه ". و بتروله الى البر الأفريقي لم يقابله سوي قوة الفرسان الوحيدة التي كانت لدى قرطاجة وقتئذ. فتقهقر أمامها تدريجيا واستدرجها الى شرك نصبه لها فأبادها. وبذا لم يكتسب وقتا يوطد فيه مركزه خسب، بل أوجد تاثيرا أدبيا حض حکومته على تعضيده بسخاء أكثر مما كان، وأضعف سلطة قرطاجنة على حلفائها الأفريقيين من جهة أخرى، ما عدا و سيفاكس، الذي كان في منتهى القوة."

وبعد ذلك انتي بقوة جندها العدو حديثا وكانت متفوقة عليه عددا بدرجة كبيرة ولكنها كانت مؤلفة من جنود " هزدر و بال'' الحديثة وجنود " سيفاكس " غير النظامية. فتقهقر «سپيو'' إلى شبه جزيرة صغيرة واستحكم في موقع حصنه، هو النموذج الأصل العتيق لخطوط

طورس فدراس. وهناك تحايل على قائدي الجيش الذي أحاطه وأدخل في روعهما الاطمئنان من ناحيته. ثم انه تظاهر بالاستعداد لركوب البحر قصد الزحف على ''يوتيکا، وأخيرا قام بمناورة ليلا وهجر على معسكرى العدو، فكان لهذه المفاجأة من التأثير مازعزع قوة العدو المعنوية وأخل نظامه. وضاعف هذا التأثير ما دبره سپيو " من الحيلة بتوجيه المجمة الأولى إلى معسكر سيفاكس» الذي كان أقل نظاما من المعسكر الآخر. اذ كانت اكواخ معسكر"سيفاکس'' منتشرة حتى طغت على حدود الموقع المحصن وكانت مصنوعة من القصب والحصر سريعة الالتهاب. ولما أضرمت النار في هذه الأكواخ ساد الاضطراب وعمت الفوضى فتمكن الهاجمون من دخول المعسكر الرئيسي في حين أن اللهب المناجم دفع جنود هزو رو بال القرطاجنين لأن يفتحوا أبوابهم و يخرجوا منها كالسيل الجارف لانقاذ اخوانهم ظنا منهم أن الحريق حصل قضاء وقدرا لأن الرومانيين عند حلول الظلام التزموا الصمت والسكون فكان معسكرهم الذي يمتد إلى مسافة سبعة أميال في سكون تام. ولم بوجه سبيو" هجومه الثاني إلى معسكر القرطاجنيين الا بعد أن فتحوا أبوابهم بهذه الحيلة فتمكن من دخوله من غير كلفة شق ثغرة فيه."

واذا كنا في هذا المقام قد تجاوزنا حدود الاستراتيجية إلى التكتيك في الظاهر، فذلك لأن هذا النصر الساحق هو في الحقيقة أعظم مثال في التاريخ، الا اذا استثنينا ''البردا" (اسبانيا) حيث لم تقتصر الاستراتيجية على التمهيد للنصر في معركة بل انها نفذته - اذ كان النصر في الواقع عبارة عن آخر فصل في الاقتراب الاستراتيجي، لأن المجزرة التي لا مقاومة فيها ليست معركة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت