الصفحة 61 من 169

أما " سپيو * فانه لم يتحرك في الحال إلى قرطاجة بعد أن انتصر من غير سفك دم. فما هو السبب؟ اذا كان التاريخ لا يجيب على ذلك جوابا صريحا فانه يبرهن أسبابا للاستلة ج أكثر وضوحا من مسالة إهمال هانبال تروما بعد معركة " تراز يمين» و بعد معركة كانه. فالم تتواجد فرصة وأسباب ملائمة يبنى عليها الأمل باقتحام سريع فان الحصار أبعد كل العمليات الحربية عن الاقتصاد. والتاريخ يؤيد ذلك حتى إلى سنة 1914 - 1918 واذا كان العدو ما زال يملك جيشا بالميدان يستطيع التصدي فالحصار أيضا أشد خطرا لأن المهاجم تقل قوته فيه تدريجيا بالنسبة لعدوه إلى أن يكلل الحصار بالنجاح.

أما '' سپيو '' نكان عليه أن لا يحسب حساب أسوار قرطاجة فقط، بل كان عليه أن يحسب حساب رجوع مانبال أيضا - فكان في الواقع يحسب حساب هذا الطارئ و يجعله نصيب عينيه. وذا أمكنه أن يضطر قرطاجة إلى التسليم قبل عودة هانبال كانت له من تسليمها ميزة كبرى. على أن ذلك لا بد أن يكون بزعزعة مقاومتها بوسائل أدبية لا تكلفه ثمنا غاليا. لا بوسائل مادية تكلفه بذل قوة قد يرى نفسه بعد بذلها أنه لا يزال أمام أسوار لا ثغرة فيها حينما يهبط هاتبال على مؤخرته.

فبدلا من زحفه على قرطاجة أخذ ينقص في أطرافها التي كانت مورد موتها وحلفائها نقصا منظما. وفوق كل شيء كان فصل قسم من قوته لتعقب " سيفاکس '' تعقبا لا رحمة فيه والتغلب عليه عملا بررته الحوادث كل مبرر. لأنه بعد أن أعاد حليفه ماسينيسا إلى عرش " نوميديا» ضمن لنفسه موردا للفرسان لمقابلة أحد سلاح لدى هانيبال.

ولكي يشجع هذا التحريض الأدبي بهذه الأساليب زحف على تونس. على مرأى من قرطاجة، كوسيلة لها منتهى التأثير في القاء الرعب والفزع في قلوب القرطاجنيين ". فياضافة هذه الوسيلة إلى ما تقدمها من أشكال الضغط غير المباشر كانت كافية لزحزحة قوة ارادة القرطاجنيين في المقاومة فتقدموا لطلب الصلح. على أنهم بينما كانوا في انتظار ابرام الصلح في روما اذاخل القرطاجنيون بالصلح الوقتي عندما وصلت الأخبار الى قرطاجة بان هأنبال قد عاد وأنه نزل إلى البر في " لبتس". وبذا أصبح '' سپيو * في مركز حرج محفوف بالأخطار لأنه وان كان لم يضعف قوته باقتحام قرطاجة الا أنه كان سمح " ناسينيسا» بالرجوع إلى " نوميديا"ليوطد مملكته الجديدة - بعد أن قبلت قرطاجة شروط الصلح التي وضعها " سپيو ". ففي ظروف كهذه كان أمام أي قائد أصولي أن يتبع أحدى طريقتين: اما أن ينتهج خطة التعرض لمنع مانبال من الوصول إلى قرطاجة. و إما أن ينتهج خطة الدفاع وينتظر المدد. على أن"سيو " بدلا من اتباعه احدى هاتين الطريقتين سلك سبيلا لو نظر اليه من الوجهة الجغرافية لؤي عجيبا. ذلك أنه اذا كان الطريق المستقيم الذي يسلكه هانبال من و لبتس"إلى"قرطاجة " يرسم الجزء الأيمن من هذه العلامة (8) فان '' سپيو " بعد"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت