الصفحة 326 من 396

وتحضير كتل من الحجارة والعوارض لرميها على المهاجمين، عندما يتمكنون من الوصول إلى قرب البناء، وخصص مكان في القبور للجرحى الخطرين. كنا في ذلك الوقت أربعين رجلا والايام الرهيبة لم تلبث أن تنت، فالهجمات العدوة أخذت تتوالي دون انقطاع أو نهاية. وفي كل مرة تصد هجوما، كان يبدو لنا أننا لن نتمكن من صد الهجوم القادم. ولكن عندما كان العدو يحضر نفسه اللهجوم، كنا نجد لدينا القوة والامكانيات. ودام الحال على هذه الصورة خمسة أيام بلياليها.

امتلا الطابق الأرضي بالجرحى، وبقي لدينا تسعة عشر مقاتلا دون ماء أو غذاء إلا من بضعة كيلوغرامات من قمح محروق، لقد قرر الألمان إجبارنا على الاستسلام عن طريق تجويعنا، فتوقفت هجماتهم، ولكن رمايات رشاشاتهم الثقيلة ظلت تزأر فوق رؤوسنا دون انقطاع، لم نعد نفكر في الخلاص، ولكن كنا نفكر كيف نبيع أرواحنا بأغلى ثمن ممكن. لم يكن لدينا أي مخرج. بعض خسائرنا كانت واضحة لا يمكن تجنبها، وأخيرا ظهر بيننا جبان، فقد إنهار أحد الملازمين، وقرر تركنا والهرب ليلا نحو القولغا. هل كان يعلم بأن ذلك هو خيانة عظمى؟ نعم كان يعلم، جر معه في جريمته هذه أحد الجنود الذي كان هو الآخر جبانة مثله وبدون أن يراهم أحد إنزلقوا في ظلمة الليل نحو الفولغا، وصمما لتفسيهما طوفا من العوارض الخشبية. وقد أمطرهم العدو الذي كان يحتل الضفة بنيرانه فقتل الجندي، ولكن الملازم وصل إلى فصيل التموين التابع لفوجنا الذي كان يتمركز في الضفة الأخرى، وأبلغهم أن الفوج أبيد وقال لهم:. دفنت بيدي دراغان، بالقرب من الفولغا محاولا إقناعهم، ولكن كل هذه الأمور توضحت بعد أسبوع، فقد أخطأ في دفني قبل ساعتي.

عاد الفاشيون للهجوم، وكنت أصعد بسرعة للاعلى لاتفقد جنودي فأراهم بوجوههم النحيلة المجللة بالسواد، وضماداتهم الوسخة المغطاة ببقع الدم المتجمد على جراحهم، ولكن أيديهم كانت دائما على سلاحهم. ولم يكن في وجوههم أية علامة من علائم الخوف .. فالممرضة ليوبا نستيرينكو كانت تحتضر والدم يسيل بغزارة من جرح في صدرها، وفي يدها ضمادة، ورغم قربها من الموت حاولت مساعدة أحد الرفاق، وتضميد جراحه، ولكن لم يسمح لها الوقت للقيام بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت