أننا نعبدك وننزهك، فما الحكمة في خلق هذا المخلوق؟ لكن ما الذي جعل الملائكة تعتقد بأن المخلوق الجديد ستكون صفته الشرَّ و الإفساد في الأرض وليس الخير والإصلاح؟
ذكر عبدُ الله بن عمر وابن عباس بأنه كان هناك جن قبل آدم فعاثوا في الأرض فسادًا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم جندًا من الملائكة فقتلتهم وألحقتهم بالبحار ورؤوس الجبال [1]
ويجيب بعض المفسرين المعاصرين بأن هناك كلامًا مطويًا بين {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} وبين {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} يمكن التعبير عنه بما يلي: فسأل الملائكة ربهم: ما صفة هذا المخلوق الذي قضيت ربنا أن تخلقه وما خصائصه؟ فأبان الله جل جلاله وعظم سلطانه لهم صفاته، ومنها أن يكون ذا إرادة حرة وقدرات لاكتساب المعارف والعلوم، وذا صفات نفسية فيها أهواء ورغبات وشهوات ونوازع لتحقيق الأهواء والشهوات، ولو بارتكاب المعاصي والآثام وفعل الشر. وهذه الصفات ينتج عنها الإفساد في الأرض وسفك الدماء ظلمًا وعدوانا [2]
ويعضد هذا الكلام المطويَّ ما رواه الطبري من أن الله حين قال للملائكة {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} قالوا: ربنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا.
وكان جواب الله للملائكة {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إني أعلم من الحكمة والمصلحة قي خلق هؤلاء ما لا علم لكم به [3]
من الواضح المعروف أن آدم خلق من الطين أي ماء و تراب. روى أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي موسى أن النبي - - صلى الله عليه وسلم - - قال: «إن الله خلق آدم من قبضةٍ قبضها من
(1) قصص الأنبياء لابن كثير، ص 10. ومن الثابت علميًا عن طريق الأحافير أنه كان هناك مخلوقات و كائنات حية عاشت في الأرض قبل مجيء الإنسان.
(2) معارج التفكر، للشيخ عبد الرحمن حبنكة 3/ 674 - 675.
(3) المرجع السابق.