كان السلف الصالح - وهم القدوة - من أشد الناس حفظًا للأسرار، وصدورهم أوعية لها.
-أبو بكر رضي الله عنه وحفظه لسر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فقد أخرج البخاري من حديث سالم بن عبدالله رضي الله عنه:
"أنه سمع عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يحدث أن عمر بن الخطاب حين تأيمت [1] حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي بالمدينة - فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئتَ زوَّجتُك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئًا، وكنت أوجد عليه [2] مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدتَ علي حين عرضتَ علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضتَ علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبِلتها".
-أنس بن مالك رضي الله عنه وحفظه سر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فقد أخرج البخاري عن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول:"أسر إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم سرًّا، فما أخبرت به أحدًا بعده [3] ، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به".
-وأخرج الإمام أحمد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال:"مر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الصبيان فسلم علينا، ثم دعاني فبعثني إلى حاجة له، فجئت وقد أبطأت عن أمي، فقالت: ما حبسك؟ أين كنت؟ فقلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاجة، فقالت: أي بني، وما هي؟ فقلت: إنها سر، قالت: لا تحدث بسر رسول الله صلى الله عليه"
(1) تأيَّمت: أي مات عنها زوجها.
(2) أَوْجَدَ عليه: أي أكثرَ غضبًا منه.
(3) قال الحافظ في"فتح الباري" (11/ 85) :"قال بعض العلماء:"كأن هذا السر كان يختص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فلو كان من العلم ما وسع أنسًا كتمانه"."