فعلى الإنسان أن يحفظ سر نفسه، ولا يفشيه لأحد، ومن الأمور التي ينبغي أن يحفظها:
فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاةٍ، ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه [1] ، قال: فنقبت أقدامنا [2] ، فنقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخِرَق، فسميت غزوة ذات الرقاع [3] ، لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق، قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كره ذلك، قال: كأنه كره أن يكون شيئًا [4] من عمله أفشاه به".
-وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا رائعًا لحفظ السر بين العبد والرب:
فقد ذكر في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:
(( ... ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شِماله ما تنفق يمينه ... ) )؛ (متفق عليه) .
يعني: لو استطاع الإنسان أن يخفي على نفسه لفعل.
-وها هو عبدالله بن المبارك رحمه الله:"يقول عنه محمد بن أعين:"كان ذات ليلة ونحن في غزاة الروم، ذهب ليضع رأسه ليريني أنه ينام، ووضعت رأسي كأني أنام كذلك، فظن أني قد نمت، فقام فأخذ في صلاته، فلم يزل كذلك حتى طلع الفجر وأنا أرمقه، فلما طلع الفجر أيقظني، وظن أني نائم، وقال: يا محمد، فقلت: إني لم أنَمْ، فلما سمعها مني ما رأيته بعد ذلك يكلمني، كأنه لم يعجبه ذلك مني لما فطنت له من العمل، ولم أرَ رجلًا أسَرَّ بالخير منه"؛ (الجرح والتعديل: 1/ 266) ."
-ويقول عنه أيضًا عبدة بن سليمان:"كنا في سرية مع عبدالله بن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفانِ، خرج رجلٌ من العدو فدعا إلى البِرَاز، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، فازدحم عليه الناس،"
(1) نعتقبه: أي نتعاقب عليه في الركوب، بحيث يركب كل واحد نوبة، ثم ينزل فيركب الآخر ... وهكذا.
(2) نقبت: أي تقرَّحت من الحفاء وكثرة المشي.
(3) ما ذكر هنا هو الصحيح في سبب التسمية، وهناك آراء أخرى، منها: أنها سميت بذلك باسم جبل هناك، وقيل: باسم شجرة، وقيل: لأنه كانت ألويتهم رقاعًا، ويحتمل أنها سميت بمجموع ذلك؛ (انظر شرح الإمام النووي على مسلم) .
(4) في رواية البخاري:"شيء"بالرفع، على أنه فاعل تكون التامة.