-ومن الأمثلة التي تدل على ترك فضول الكلام: ما رواه الترمذي وأبو داود وابن أبي الدنيا، واللفظ له، عن مطرف بن عبدالله عن أبيه قال:"قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من بني عامر، فقالوا: أنت والدنا، وأنت سيدنا، وأنت أفضلنا علينا فضلًا، وأنت أطولنا علينا طولًا، وأنت الجفنة الغراء، وأنت ... وأنت، فقال: (( قولوا قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان ) )".
يقول الغزالي رحمه الله:"وفي هذا الحديث إشارة إلى أن اللسان إذا أطنب بالثناء، ولو بالصدق، فيخشى أن يستهويه الشيطان إلى الزيادة المستغنى عنها"؛ اهـ.
أخرج أبو الشيخ - بسند فيه مقال - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أكثر الناس ذنوبًا أكثرهم كلامًا فيما لا يعنيه ) ).
-وأخرج البخاري ومسلم من حديث المغيرةِ بن شعبة رضي الله عنه قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(( إن الله كرِه لكم ثلاثًا: قيل وقال [1] ، وإضاعة المال [2] ، وكثرة السؤال [3] ".
(1) قيل وقال: ومعناهما - كما قال المحب الطبري:"هي على ثلاثة أوجه: أحدها: أنهما مصدران للقول، تقول: قلت: قولًا وقالًا، والمراد في الأحاديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام؛ لأنها تؤول إلى الخطأ، قال: وإنما كرره للمبالغة في الزجر عنه، ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس، والبحث عنها ليخبر عنها، فيقول: قال فلان: كذا، وقيل: كذا، والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه، وإما لشيء مخصوص منه، وهو ما يكرهه المحكي عنه، ثالثها: أن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين؛ كقوله:"قال فلان: كذا، وقال فلان: كذا، ومحل كراهة ذلك أن يكثر من ذلك بحيث لا يؤمن مع الإكثار من الزلل، وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبُّت، ولكن يقلد من سمعه ولا يحتاط له"؛ اه."
قال صلى الله عليه وسلم في"الفتح" (10/ 314) :"ويؤيد ذلك الحديث الصحيح: (( كفى بالمرء إثمًا أن يحدِّثَ بكل ما سمع ) )."
(2) إضاعة المال: الإسراف في الإنفاق، أو الإنفاق في الحرام، وقال في فتح الباري:"إن المقصود بإضاعة المال هو: ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا، سواء كانت دينية أو دنيوية، فمنع منه؛ لأن الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيره تفويت تلك المصالح، إما في حق مضيِّعها، وإما في حق غيره، ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البر لتحصيل ثواب الآخرة، ما لم يفوِّت حقًّا أخرويًّا أهم منه"؛ اه.
(3) كثرة السؤال: إما المقصود به: سؤال المال، أو السؤال عن الأمور المشكلة المعضلة، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله؛ فإن ذلك يكرهه المسؤول غالبًا، أو السؤال عن مسائلَ يستحيل وقوعها عادة، أو يندر جدًّا، أو السؤال عن أشياءَ العلمُ بها لا ينفع والجهل بها لا يضر.