كان الاختلاف في المسائل الفقهية الاجتهادية موجودًا بين الصحابة في عهد النبي وبعد وفاته، وكان موجودًا في عصر التابعين بين الأئمة لكن لم يكن هذه الاختلافات تشكل نزاعات بينهم بل كانت تتسم بآداب سامية وأخلاق كريمة.
في عهد الصحابة: عائشة وعمار - رضي الله عنهما:
كان عمار - رضي الله عنه - مخالف لموقف عائشة - رضي الله عنها - في واقعة يوم الجمل ... سمع ذات مرة أحدهم ينال من أم المؤمنين، فقال أسكت مقبوحًا منبوحًا أتؤذي محبوبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! أشهد أنها زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنة، لقد سارت أمنا عائشة - رضي الله عنها - مسيرها وأنا أعلم أنها زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا بها، أياه نطيع أو أياها. أي أدب بعد هذا ينتظر. [1]
في عهد التابعين: الشافعي ومحمد بن الحسن:
"عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي [2] يقول: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم من صاحبكم - يريد أبا حنيفة ومالكا - وما كان لصاحبكم أن يتكلم، وما كان لصاحبنا أن يسكت. فغضبت، وقلت: نشدتك الله: من أعلم بالسنة، مالك، أو صاحبكم؟ فقال: مالك، لكن صاحبنا أقيس. فقلت: نعم، ومالك أعلم بكتاب الله وناسخه ومنسوخه، وبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبي حنيفة، ومن كان أعلم بالكتاب والسنة كان أولى بالكلام." [3]
وهكذا كان شأنهم يختلفون لكن لا يتفرقون، فهم ممتثلون لقول الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ... ) آل عمران: (103) ، ويضعونه فوق كل اعتبار، فكانوا يتنازلون عن أراءهم ويتراجعون عن أقوالهم في سبيل وحدة كلمتهم.
(1) بتصرف: صالح بن حميد، مرجع سابق، ص 18
(2) أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ المطَّلِبيّ القرشيّ هو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضًا إمام في علم التفسير وعلم الحديث، وقد عمل قاضيًا فعُرف بالعدل والذكاء، تاريخ الوفاة (20) يناير، (820) م، الفسطاط-مصر
(3) سير أعلام النبلاء، محمد الذهبي، المكتبة الإسلامية http://library.islamweb.net/