ومع هذا لم يصل أحد في تعريفها إلى حد جامع تنضبط به الكبيرة انضباطا يخلو من نقد، حتى قال العز بن عبد السلام [1] :"لَمْ أَقِفْ لِأَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ضَابِطٍ لِلْكَبِيرَةِ لَا يَسْلَمُ من الِاعْتِرَاضِ".
واستظهر الزركشي أن التعريفات المختلفة لا يوجد منها تعريف جامع، وأن كل تعريف ذكر جزءا منها، وباجتماع كل تلك التعاريف يتضح حد الكبيرة فقال [2] :"وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ قَائِلٍ ذَكَرَ بَعْضَ أَفْرَادِهَا، وَيَجْمَعُ الْكَبَائِرَ جَمِيعُ ذَلِكَ"
وقال ابن حجر الهيتمي:"وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ مِنْ الْحُدُودِ إنَّمَا قَصَدُوا بِهِ التَّقْرِيبَ فَقَطْ، وَإِلَّا فَهِيَ لَيْسَتْ بِحُدُودٍ جَامِعَةٍ وَكَيْفَ يُمْكِنُ ضَبْطُ مَا لَا طَمَعَ فِي ضَبْطِهِ" [3] .
وقال النووي [4] :"وَإِذَا ثَبَتَ انْقِسَامُ الْمَعَاصِي إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ضَبْطِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا مُنْتَشِرًا جدا"
ونفى الواحدي وجود ضابط واضح للكبيرة في الكتاب والسنة، وأن خفاء الضابط كان بقصد من الشارع ـ سبحانه وتعالى ـ فقال:"الصحيح أنه ليس للكبائر حد يعرفه العباد وتتميز به عن الصغائر تمييز إشارة، ولو عرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن أخفي ذلك على العباد، ليجتهد كل واحد في اجتناب ما نهي عنه، رجاء أن يكون مجتنبا للكبائر، ونظيره إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في رمضان" [5] .
وقال صاحب تهذيب الفروق [6] :"فجميع ما ذكروه من الحدود والضوابط إنما قصدوا به التقريب فقط، وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا طمع في ضبطه بالحصر إذ لا يعرف ذلك إلا بالسمع ولم يرد".
(1) ـ"فتح الباري" (10/ 410، 411) ؛ لابن حجر.
(2) ـ"البحر المحيط" (6/ 153) ؛ للزركشي.
(3) ـ"الزواجر" (1/ 13) .
(4) ـ"شرح صحيح مسلم للنووي" (2/ 85) .
(5) ـ البحر المحيط 4/ 276.
(6) ـ"تهذيب الفروق"مع الفروق وحاشية ابن الشاط (1/ 134) .