قد طال به الأمد ولم يخبر أحدا حتى أمي، بعد ظهور النتائج بدأ أبي يتعالج و يتعالج، وخلال فترة علاجه كنت أبيت معه لتلبية حاجاته ثم اذهب للمدرسة صباحا، لأول مرة في حياتي اكتشف أن لي أبا مثله، كان يتحدث إلي كثيرا، وينصحني كنت اسعد عندما يتحدث حتى ولو لم أفهم ما يقوله حدثني غالب الأحيان عن أحد الأئمة لم أكن قد سمعت اسمه قبلا كان اسمه ابن القيم، كثيرًا ما استدل أبي من أقواله خاصة عندما ينصحني كنت ألاحظ عيناه تبرقان سعادة كلما تحدث عنه، استغربت قوله لي أن الإمام ابن القيم قد ساعده كثيرا، من خلال كتاباته وانه قد أعانه للوصول إلى حقيقة معرفة الله أو على الأقل إلى درجة الطمأنينة بالعلم بوجود رب خالق لنا وهو يتكفل بحفظنا ومساندتنا كلما دعوناه، استمر أبي يحدثني عنه وعن كتبه قال لي انه يتمنى لو يراني يوما عالما تحيط الناس به طلبا للمعرفة والعلم قال لي أن أقرا كتبه ...
مكث أبي في ذلك المشفى ستة أشهر، استعاد عافيته وبرئ من مرض السل. في يوم الخروج كنت قد أصبحت أحب أبي كثيرا، عزمت على السير على خطاه وأن أكون له كما يحب أن أتعلم، لكن تلك الفرحة، تلك السعادة، ذلك الأمل الذي زرعه أبي، لم يكتمل تلك البذرة التي زرعها أبي فور دخولها تحت الأرض لم تكن بعد جاهزة للتنفس، ولم تكن تعرف بعد أن تلك الأرض هي موطنها وان السماء هو الهدف الذي يجب أن تصل إليه لم تكن تعرف كيف تعتاد على موطنها ولا كيف تتنفس، فقدت حياتها قبل أن تبدأ تلك البذرة كانت الأمل الذي زرعه والدي قبل أن يفارقني إلى حيث لا يمكنني أن أتوسله لكي يعاقبني كنت سأرضى بان أعاقب كل يوم لكن بيدك يا أبي اجل بيدك رحمك الله وطيب ثراك، في ذلك اليوم السعيد المشؤوم جاءت سيارة الأجرة لنقلنا إلى المنزل كنت سعيدا رن هاتف والدي تحدث إلى أمي و أختي وقال بأنه سيعود إن شاء الله إلى البيت قريبا معي، استغربت أسلوب حديثه فكأنه كان يودعهما لم أكن أعلم أنه حقا كان الوداع، قال لهما بأني أصبحت رجل البيت وبأنه يمكنهما الاعتماد علي فقلت له بعد عمر طويل يأبي ابتسم وقال الأعمار بيد الله يا بني، وما إن أنهى جملته حتى أحسسنا بعجلة السيارة قد ثقبت، ونحن على الطريق السريع جاءت شاحنة مسرعة حاول السائق الابتعاد فانزاحت السيارة عن الطريق العام وخرجت لتقع في واد لم تكن به مياه، أما عن أبي فأخذ يصيح بالشهادة وينظر إلي وقد اخترق احد الأعمدة الملقاة هناك مقدمة رأسه وخرج من الخلف، ثم بدأت عظامي تثقل وأخيرًا ما عدت أحس بأي شيء و أظلمت الدنيا.
قبل أن افتح عيناي كنت أحلم باني عدت إلى المنزل وبما أصبحت عليه من مستوى علمي رفيع وبأنه في ذلك اليوم ستقدم إلي شهادة الدكتوراه في العلوم الشرعية حملها أبي وتقدم مني