إذا لا يهم كنت فقط اسمع ما يقوله أبي وأحفظه لأنه غالبًا ما كان سيسألني وان لم اجبه فالضربات على أقدامي ستكون مصيري ثم العمل بعد صلاة العشاء لتنظيف المسجد كل ليلة، المهم أنه أعقب الأقوال و الأحاديث التي استشهد بها بقصة الرجل الذي كان عابدا حيث قال ... كان بمصر رجل ملتزم مسجدا للأذان و الصلاة، و عليه بهاء العبادة و أنوار الطاعة، فرقي يوما المنارة على عادته للآذان و كان تحت المنارة دار لنصراني ذمي فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار، فافتتن بها و ترك الآذان و نزل إليها و دخل الدار فقالت له: ما شأنك ما تريد؟ فقال: أنت أريد، قالت: لماذا؟ قال لها: قد سلبت لبي و أخذت مجامع قلبي قالت: لا أجيبك إلى ريبة. قال لها: أتزوجك. قالت له: أنت مسلم وأنا نصرانية و أبي لا يزوجني منك. قال لها: أتنصر. قالت: إن فعلت أفعل، فتنصر ليتزوجها و أقام معها بالدار. فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات. فلا هو بدينه ولا هو بها. فنعوذ بالله ثم نعوذ بالله من سوء العاقبة و سوء الخاتمة.
أكمل أبي قصة العابد التي أحزنتني لأنه في نظري مسكين تمنيت لو تزوجها و لم يفارقها، حينها كنت غبيا لم ألاحظ أو حتى يقشعر بدني من أنه ما عاد مسلما بل و خرج عن ديننا.
كانت تلك خطبة أبي الأولى ثم أعقبها بالثانية فما كان منه إلا أن حمد الله و أثني عليه و على رسوله الكريم و قال. . إخوتي أخواتي أبنائي بناتي أترون العبرة مما كنت أروي لكم من قصص ليست للإستمتاع أو للبكاء حزنا على موت العابد إنما لأذكر نفسي و إياكم بالخاتمة، أجل ... لكل منا خاتمة، و لكل منا صحيفة فبما ملأها ستكون خاتمته فإن فعل خيرا في دنياه و ما أظلته ولا غرته شهواتها فإن الله سيكون به رؤوفا رحيما و من نسيها و ظن أن هذا هو مقره لا ممره، و ظن أن الموت إنما هو للكبار دون الصغار فإنه سيظل و يشقى في دنياه و نسأل الله ألا يختم لنا بسوء خاتمة و أن تكون ذريتنا صالحة تدعو لنا عند موتنا، ونسأله أن يصلح الأحوال التي أصبحت تثير الخوف و الفزع. حقا أمتنا بحاجة لمن يجدد لها إيمانها، و يبين لها مسلكا للوصول إلى طريق الحق طريق الواحد الصمد الديٌان نسأل الله العافية و نستغفره من سوء أعمالنا إخوة الإيمان، أفيقوا من غفلتهم امسحوا الغبار عن مصاحفكم و غشاوة الران عن قلوبكم، إخوة الإيمان أفيقوا فإن الساعة لقريبة آتية.
ثم أنهى خطبته وسط دموع جمع غفير من المصلين، في ذلك الوقت لم أجد لوقع كلام أبي على قلبي شيء، فقط كل ما كنت أخشاه أغفل أو أنسى كلمة مما كان يقول، رغم أن الكل يشهد لي بقوة الحافظة. بعد انتهاء الصلاة خرجنا وإذا بالكل يحيط بأبي وهو ينتعل حذائه