ويرى الشيخ محمد الفاضل بن عاشور وجود مرحلة بين علمي"الأصول والمقاصد"، وهي مرحلة"القواعد"و"الفروق"؛ ذلك أن البحث عن مقاصد الشريعة لا يُنتظر أن يوجد في كتب أصول الفقه؛ وإنما يوجد مبثوثًا في الأوضاع الفقهية الأولى التي كانت تبحث الحكم والعلل والمصالح، وتستند في ذلك إلى القواعد العامة؛ ذلك أن الفقهاء هم الذين اتجهوا إلى البحث عما يسمى حكمة المشروعية، وبحثوا في تحكيم المصالح، ووازنوا بين الأقوال الفقهية وما يكون منها أكثر تحقيقًا للمصالح؛ لذلك برز فن"القواعد"و"الفروق"؛ وقد برز فيه:
من الشافعية العز بن عبدالسلام بكتابه:"قواعد الأحكام في مصالح الأنام".
ومن المالكية شهاب الدين القرافي بكتابه:"أنوار البروق في أنواء الفروق".
وهذه الطريقة تكمنُ أهميتها في استخراج العلل، فتسمو بها إلى المراجع الكلية لتصبح قواعد جامعةً، أو فروقًا تبين نشأة الاختلاف بين المسائل، وهذا الفن سماه مالكية المغرب بعلم"الأصول القريبة".
ونحن عند البحث عن المقاصد نجد جذورَ تأصيلها في الاجتهادات الفقهية لعمر الفاروق (رضي الله عنه) ، غير أن هذا الفن لم يرتفع عن النسق المذهبي، بل ساير النزعة المذهبية؛ لأنه اعتمد الفروع الفقهية داخل المذهب، وبنى منها الكليات لتكون أصولًا للمذهب، وهي طريقة تقترب من المنهج الحنفي الذي لا ينطلق من المعاني النظرية الاستدلالية، ولا يتمسَّك بالأصول المبدئية، منطلقًا للاجتهاد المطلق، وإنما يعتمد الفروع وينطلق منها.
وقد امتاز العلامة المغربي أبو عبدالله المقري بجهده في هذا المجال، فسمَا بعلم الأصول القريبة (القواعد) ، ليبحث عن مبادئ كلية لا اختلاف فيها بين المذاهب، وفي نفس الإطار تندرج حركة التجديد التي قام بها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتبعه في ذلك تلميذه ابن قيم الجوزية في"إعلام الموقعين"، وقد انبنت هذه المحاولات على نقد موضوعي منهجي لعلم الأصول؛ (راجع محاضرات للشيخ محمد الفاضل بن عاشور، بين أصول الفقه ومقاصد الشريعة) .
وجاء الإمام الشاطبي ليسموَ بأصول الفقه إلى درجةِ الأمر القطعي، من خلال وضعه علمًا جديدًا هو"علم مقاصد الشريعة"، ومثَّل الإمام الشاطبي المحطة الثالثة في هذا